قطب الدين الراوندي

377

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فاستصجوا بنو ر يقظة في الاسماع والأبصار والأفئدة ، يذكرون بأيام اللَّه ويخوفون مقامه بمنزلة الأدلة في الفلوات . من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة ، فكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات ، وأدلة تلك الشبهات . وان للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللَّه في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة ، وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما أطيعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون . فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة ( 1 ) ، وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة ، أمروا بها فقصروا عنها ، أو نهوا عنها ففرطوا فيها ، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا ، يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف . لرأيت أعلام هدى ومصابيح دجى ، قد حفت بهم الملائكة ، وتنزلت عليهم السكينة ، وفتحت لهم أبواب السماء ، وأعدت لهم مقاعد الكرامات ( 2 ) في مقام ( 3 ) قد اطلع اللَّه عليهم فيه ، فرضي سعيهم وحمد مقامهم .

--> ( 1 ) في ب : المشهورة . ( 2 ) في الف : الكربات . ( 3 ) في الف ، يد وهامش م : « في مقعد » وليس « قد » في ب ، نا ، يد الف .