قطب الدين الراوندي
200
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقوله « واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن كان قبلكم » فالسخط هو أن تكره الفعل من غيرك فيقع ما كرهته منه ، والرضاء يذكر بمعنى أنه اكتفى بفعله وحمده عليه . فعلى هذا يكون يسقط كل سؤال يورد عليه ، لان كل من فعل ما أمره اللَّه به كان تعالى عنه راضيا ، وكل من ارتكب ما نهاه اللَّه فقد سخط اللَّه عليه ، سواء كان في أول الدهر أو في وسطه أو في آخره ، وسواء كان ذلك الواجب عقليا أو سمعيا لما كان عالما به أو متمكنا منه ، ولم يكن ملجأ ولا مكرها . فان قيل : أليس قد رضي اللَّه عن أمة موسى وغيرهم من المتقدمين بأفعال ، ان فعلها الواحد منا سخط اللَّه عليه . قلنا : قد احترزنا عن هذا بما ذكرناه من حد الرضا والسخط . ثم الذي يأمر اللَّه به من الواجبات وما ينهى عنه من المقبحات على ضربين : أحدهما عقلي ، والآخر سمعي . فالعقليات لا تختلف بحال من الأحوال ، فان الواجبات العقلية ما أمر بها قط ، والقبائح العقلية ما نهى اللَّه عنها أبدا . فأما الواجبات السمعية والمقبحات الشرعية فإنها تختلف باختلاف المكلفين أو اختلاف أوقاتهم وأحوالهم ، لان ما كان مصلحة لزيد أمس من الشرعي يجوز أن يكون مفسدة له غدا أو لغيره ، فإذا أمر اللَّه العباد بمصالحهم ونهاهم من مفاسدهم فإنه تعالى يرضى عن العبد باتباعه مصلحته التي أمره اللَّه بها ، ويسخط على عبد يرتكب مفسدته التي نهاه اللَّه عنها . فالسؤال ساقط على كل وجه . وقيل : يعنى الرضا المرضي ، أي يرتضي في المستقبل ما ارتضاه في الماضي ويسخط ما سخطه من العقليات وأصول العبادات ، أي رضا اللَّه فيما بقي من الزمان ، هو رضاه فيما مضى والسخط كذلك . فعلى هذا يبطل استحلال الخمر في الملل المتقدمة كما يدعيه العامة ، لأنها تستر العقل .