قطب الدين الراوندي
133
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( ومن خطبة له عليه السلام ) ( يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس ) ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان وموات وساكن وذي حركات ، وأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته وعظيم قدرته ما انقادت له العقول معترفة به ومسلمة له ، ونعقت في أسماعنا دلائله على وحدانيته . وما ذرأ من مختلف صور الأطيار التي أسكنها أخاديد الأرض وخروق فجاجها ورواسي أعلامها ، من ذات أجنحة مختلفة وهيئات متباينة ، مصرفة في زمام التسخير ومرفرفة بأجنحتها في مخارق الجو المنفسح والفضاء المنفرج . كونها بعد إذ ( 1 ) لم تكن في عجائب صور ظاهرة ، وركبها في حقاق مفاصل محتجبة ، ومنع بعضها بعبالة خلقه أن يسمو في الهواء ( 2 ) خفوفا ، وجعله يدف دفيفا ، ونسقها على اختلافها في الأصابيغ بلطيف قدرته ودقيق صنعته ، فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه ، ومنها مغموس في لون صبغ قد طوق بخلاف ما صبغ به . ومن أعجبها خلقا الطاوس الذي أقامه في أحكم تعديل ، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد . بجناح أشرج قصبه ، وذنب أطال مسحبه ، إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه ، وسما به مطلا على رأسه ، كأنه قلع داري عنجه نوتيه ، يختال بألوانه ، ويميس بزيفانه ، يفضي كإفضاء الديكة ، ويؤر بملاقحة ( 3 ) أر الفحول
--> ( 1 ) في م وهامش نا : بعد ان . ( 2 ) في الف ، نا ، ب : في السماء . ( 3 ) في يد : بملاقحه .