قطب الدين الراوندي

10

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فهذا حكمة مع التركيب ، وأما تفسير كل واحدة من الكلمتين : فان « أما » للتخيير يدل على معنى الشرط لدخول « الفاء » بعدها ، وهي تجيء لتفصيل ما هو مجمل ، و « بعد » كلمة دالة على الشيء الأخير . و « الحمد » الثناء على الفاضل ومن في معناه ، ويكون شكرا للمفضل . والشكر أخص من الحمد ، فإنه لا يكون إلا على النعمة . وكون الحمد ثمن النعمة مجاز . وإنما جعل الحمد سببا لهذه الأشياء الأربعة لما روي أن من قال « الحمد للَّه » فقد أدى حق نعم اللَّه ( 1 ) ، ومن قال « الحمد للَّه » فقد تخلص من بلاء اللَّه ، وكفران النعمة يؤذن بانقطاعها ( 2 ) . وقال تعالى « وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ » . ( 3 ) و « المعاذ » الملجأ ، وكلاهما مصدر . ويجوز أن يكون موضعا . و « البلاء » البلوى ، يقال بلاه اللَّه بلاء سيئا وأبلاه إبلاء حسنا . وأصل الكلمة الاختبار . و « الوسيل » جمع وسيلة ، وهو ما يتقرب به إلى الغير . و « الجنان » جمع جنة ، و « السبب » كل شيء يتوصل به إلى الغير ، وأصله الحبل . و « الطينة » الخلقة ، يقال هي من الطينة الأولى . و « سلالة » الشيء ما استل منه . و « النطفة » سلالة الانسان . و « المجد » الكرم . قال ابن السكيت ( 4 ) : الشرف والمجد يكونان في الإباء .

--> ( 1 ) البحار 71 - 44 . ( 2 ) راجع البحار 71 - 18 باب الشكر . ( 3 ) سورة إبراهيم : 7 . ( 4 ) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت الخوزي الدورقي الأهوازي البغدادي ، كان عالما بعلم القرآن والنحو والأدب والشعر ، ولقي فصحاء الاعراب وأخذ عنهم ، وله حظ من الستر والعفاف والدين . قال ثعلب : وكان يقول - أي ابن السكيت - : أنا أعلم من أبي بالنحو وأبي أعلم مني بالشعر واللغة . وكان مؤدبا لولد المتوكل ، وله معه أخبار . قال ابن النديم : ويقال أن المتوكل ناله بشيء حتى مات . أقول : كان ابن السكيت يوما عند المتوكل ، فقال له المتوكل : يا يعقوب كيف تنسبني من علي بن أبي طالب وتنسب ابنيّ هذين - أشار إلى المعتز والمؤيد - من ابنيه قال : واللَّه قنبر خادم علي خير منك ومن ابنيك . فأمر المتوكل حتى داسوا بطنه فحمل فعاش يوما وبعض الآخر . وقيل : حمل ميتا في بساط . وقيل : أمر بسلّ لسانه من قفاه فمات رحمه اللَّه في يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة 244 أو سنة 246 . انظر : فهرست ابن النديم 79 ، ريحانة الأدب 7 - 569 ، روضات الجنات 8 - 217 .