قطب الدين الراوندي
407
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
كبس اللَّه الأرض على الماء وأوقعها عليه ، وكان ذلك الماء شديد الموج فسكن بثقل الأرض ، وكانت تضطرب فأذهب الحركات من الأرض بهذه الجبال ، وفجر العيون من تحتها ليسيح ماؤها على سهل الأرض ، وأنشأ السحاب وأرسل منها الأمطار لروابي الأرض ، فنبت بالماء بين الأشجار والنبات وعاش الحيوانات بذلك ، وجعل على الجبال الطرق ليسهل على الخلائق التصرف في الأرض الواسعة ، جعل الهواء فوقها تنفسا لسكانها . وجعل آدم عليه السلام خليفة فيها بعد أن كان في الجنة في تكليف غير شاق ، فلما ترك الأولى بتناول الشجرة تغير المصلحة واشتد عليه التكليف ، وأهبطه اللَّه إلى بسيط هذه الأرض ، فعاش ما عاش صلوات اللَّه عليه ، ثم نقله إلى جواره وعمر الأرض بنسله ، وكان بين المكلفين من بني آدم أبدا حجة بعد حجة إلى عهد محمد صلى اللَّه عليه وآله . وقد ذكر في الخطبة الأولى أنه عليه السلام خلف أيضا الأوصياء في أمته ، وذكر هاهنا بعد ذلك حسن تقدير اللَّه من الحياة والموت والصحة والسقم والغنى والفقر على ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، وانه تعالى عالم السر وغيره . وفصل من ذكر دقائق معلوماته ما لا مزيد عليه في كونه لطفا وتنبيها ، وانه تعالى فعل جميع ذلك من غير كلفة فضلا وكرما ورحمة على خلقه ، ثم ختم الكلام بدعاء لم يسمع مثله . هذا خلاصة المعنى . وأما ألفاظه ومشكلاتها : فان قوله « كبس الأرض » أي أوقع ، مشتق من الكابوس ، وهو ما يقع على الانسان بالليل ، وهو مقدمة الصرع . وكبست النهر كبسا : طممتها بالتراب ، واسم ذلك الماء ( 1 ) « كبس » بالكسر .
--> ( 1 ) في م : التراب .