قطب الدين الراوندي

404

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وجراثيمها ، وفسح بين الجو وبينها ، وأعد الهواء متنسما لساكنها ( 1 ) ، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها . ثم لم يدع جرز الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها ، ولا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها ، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيى مواتها وتستخرج نباتها . ألف غمامها بعد افتراق لمعه وتبائن قزعه ، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه ، والتمع برقه في كففه ، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه ومتراكم سحابه . أرسله سحا متداركا ، قد أسف هيدبه ، تمريه الجنوب درر أهاضيبه ودفع شآبيبه . فلما ألقت السحاب برك بوانيها ، وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها ، أخرج به من هوامد الأرض النبات ، ومن زعر الجبال الأعشاب ، فهي تبهج بزينة رياضها ، وتزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها ، وحلية ما سمطت به من ناضر ( 2 ) أنوارها . وجعل ذلك بلاغا للأنام ، ورزقا للأنعام ، وخرق الفجاج في آفاقها ، وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها . فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيرة من خلقه وجعله أول جبلته ، وأسكنه جنته وأرغد فيها أكله ، وأوعز إليه فيما نهاه عنه ، وأعلمه ان في الاقدام عليه التعرض لمعصيته والمخاطرة بمنزلته ، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه ، فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله ، وليقيم الحجة به على عباده . ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحملي ودائع

--> ( 1 ) في م : لسكانها . ( 2 ) في م : من نواضر .