قطب الدين الراوندي
337
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
شحبة ( 1 ) : أي تغير اللون . بعد بضتها : أي بعد طراوقها . والعظام نخرة : أي بالية ، يقال نخر الشيء أي بلى وتفتت . والأعباء : الأثقال . ولا تستعتب : أي لا يطلب الرضى . وتعني بالقدة : الطريقة . وروى بعضهم « قدتهم » ، قال : والصواب هذا لقوله تعالى « طَرائِقَ قِدَداً » ( 2 ) . و « الصراط » ( 3 ) أصله السين .
--> ( 1 ) في اللسان : شحب لونه وجسمه : تغير من هزال أو عمل أو سفر أو جوع . ( 2 ) سورة الجن : 11 . ( 3 ) ذكر ابن ميثم في شرحه 2 - 255 ما هذا لفظه : واعلم أن الصراط الموعود به في القرآن الكريم حق يجب الايمان به وان اختلف الناس في حقيقته وظاهر الشريعة ، والذي عليه جمهور المسلمين ومن أثبت المعاد الجسماني يقتضي أنه جسم في غاية الدقة والحدة ممدود على جهنم ، وهو طريق إلى الجنة يجوزه من أخلص للَّه ومن عصاه سلك عن جنبتيه أحد أبواب جهنم . وأما الحكماء فقالوا بحقيته ، وما يقال في حقه : انه كالشعر في الدقة فهو ظلم بل نسبة الشعرة إليه كنسبتها إلى الخط الهندسي الفاصل بين الظل والشمس الذي ليس من أحدهما ، فهو كذلك الخط الذي لا عرض له أصلا . وحقيقته هو الوسط الحقيقي بين الأخلاق المتضادة كالسخاوة بين التبذير والبخل والشجاعة بين التهور والجبن . إلى أن قال : فالاوساط بين هذه الأطراف المتضادة هي الأخلاق المحمودة ، ولكل واحد منها طرفا تفريط وإفراط هما مذمومان ، وكل واحد منهما هو غاية البعد بين طرفيه ، وليس من طرف الزيادة ولا من طرف النقصان . قالوا : وتحقيق ذلك أن كمال الانسان في التشبه بالملائكة ، وهم منفكون عن هذه الأوصاف المتضادة ، وليس في امكان الانسان الانفكاك عنها بالكلية ، فغايته التباعد عنها إلى الوسط تباعدا يشبه الانفكاك عنها ، فالسخي كأنه لا بخيل ولا مبذر . فالصراط المستقيم هو الوسط الحق الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين ولا عرض له ، وهو أدق من الشعر ، ولذلك قال تعالى « وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ » سورة النساء : 128 . وروي عن الصادق عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » قال : يقول أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ دينك والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك . وعن الحسن العسكري عليه السلام : الصراط صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، فأما الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل ، والصراط الآخر هو طريق المؤمنين إلى الجنة لا يعدلون عن الجنة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة ، والناس في ذلك متفاوتون ، فمن استقام على هذا الصراط وتعود سلوكه مر على صراط الآخرة مستويا ودخل الجنة آمنا . إذا عرفت ذلك فنقول : مزالق الصراط كناية عن المواضع التي هي مظان انحراف الانسان عن الوسط بين الأطراف المذمومة ، وتلك المواضع هي مظان الشهوات والميول الطبيعية ، وأهاويل زلله هي ما يستلزمه العبور إلى أحد طرفي الافراط والتفريط من العذاب العظيم في الآخرة . انتهى .