قطب الدين الراوندي
322
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
كان عاليا ، عظيم الشأن لا يوصف كوصفهم ( 1 ) ولا يذكر كذكرهم ( 2 ) . والأزل : الضيق والحبس . وسوابغ نعمه : الصفة مضافة إلى الموصوف ، وهذا كثير في كلامهم ، التقدير نعمه السوابغ . وهذا التصرف والاتساع منهم للكشف والبيان . وقوله « لانهاء عذره وتقديم نذره » مقتبس من قوله تعالى « فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً » ( 3 ) أي اعذرا من اللَّه وانذارا إلى خلقه ، يعني يعتذر اللَّه به إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة والصواب . الانهاء : الابلاغ ، يقال : أنهيت إليه الخبر ( 4 ) .
--> ( 1 ) في د : بوصفهم . ( 2 ) في د : لذكرهم . ( 3 ) سورة المرسلات : 6 . ( 4 ) قال ابن أبي الحديد في الشرح 6 - 242 : والانهاء : الابلاغ ، أنهيت إليه الخبر فانتهى أي بلغ . والمعنى أن اللَّه تعالى أعذر إلى خلقه وأنذرهم ، فإعذاره إليهم أن عرفهم بالحجج العقلية والسمعية أنهم ان عصوه استحقوا العقاب ، فأوضح عذره لهم في عقوبته إياهم على عصيانه . وانذاره لهم : تخويفه إياهم من عقابه . إلى أن قال : وفي هذا الفصل ضروب من البديع ، فمنها أن « دنا » في مقابلة « علا » لفظا ومعنى . وكذلك « حوله » و « طوله » . إلى أن قال : ومنها أن « مانحا » في وزن « كاشف » ، و « غنيمة » بإزاء « عظيمة » في اللفظ وضدها في المعنى ، وكذلك « فضل » و « أزل » . ومنها أن « عواطف » بإزاء « سوابغ » و « نعمه » بإزاء « كرمه » . ومنها وهو ألطف ما تستعمله أرباب هذه الصناعة : أنه جعل « قريبا هاديا » مع قوله « أستهديه » ، لان الدليل القريب منك أجدر بأن يهديك من البعيد النازح ، ولم يجعله مع قوله « وأستعينه » ، وجعل مع الاستعانة « قاهرا قادرا » لان القادر القاهر يليق أن يستعان ويستنجد به ، ولم يجعله قادرا قاهرا مع التوكل عليه وجعل مع التوكل « كافيا ناصرا » لان الكافي الناصر أهل لان يتوكل عليه . وهذه اللطائف والدقائق من معجزاته عليه السلام التي فاق بها البلغاء وأخرس الفصحاء . انتهى .