قطب الدين الراوندي

70

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وفكر يتصرف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والأذواق والمشام والألوان والأجناس . معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحر والبرد والبلة والجمود والمساءة والسرور . واستأدى اللَّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم وعهد وصيته إليهم في الاذعان بالسجود له والخنوع لتكرمته ، فقال سبحانه « اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ » ( 1 ) وقبيله اعترتهم الحمية ، وغلبت عليهم الشقوة ، وتعززوا بخلقة النار ، واستوهنوا خلق الصلصال . فأعطاه اللَّه النظرة استحقاقا السخطة واستتماما للبلية ، وإنجازا للعدة ، فقال « قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » ( 2 ) . ثم أسكن سبحانه دارا أرغد فيها عيشته وآمن فيها محلته وحذره إبليس وعداوته ، فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكه والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما . ثم بسط [ اللَّه سبحانه ] له في توبته ، ولقاه كلمة رحمته ، ووعده المرد إلى جنته ، فأهبطه إلى دار البلية ، وتناسل الذرية . واصطفى سبحانه من ولد آدم أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم ، لما بدل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم ، فجهلوا حقه ، واتخذوا الأنداد معه ، واحتالتهم ( 3 ) بالشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم منسي نعمته ،

--> ( 1 ) سورة البقرة : 34 . ( 2 ) سورة ص : 80 ، 81 . ( 3 ) في نا ، يد ، الف : واجتالتهم الشياطين .