قطب الدين الراوندي

53

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وهذا يجوز أن يكون تجنيسا ، لأنه من غرزت الإبرة في شيء وغرزت الجرادة بذنبها إذا جعلته في الأرض ، ويجوز أن يكون فعلا مشتقا من الغريزة . والشبح : الشخص ، وشبحت الشيء مددته . وأحاط بالشئ : ملكه وحازه وبلغ علمه أقصاه . وحدود الأشياء : غاياتها ، ويقال عرف اللَّه الأشياء عرفانا وعرفته معرفة . ويقال لزوج الشيء قرينه . والأحناء : الأعطاف ، والحنو الضلع المعوج كحنو السرج ، ويروى « أخبائها » والخبى : الشيء المستور . وأما المعنى فإنه عليه السلام قال قبل هذا الفصل جملة كلها على لفظ اسم الفاعل ، وهو « كائن قبل كل شيء » وذكر بعده هاهنا على لفظ الفصل فقال « أنشأ الخلق وابتدأهم » ، وهذا مقتبس من قوله تعالى حكاية عن هود « وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ » ( 1 ) ومن قوله تعالى حكاية عن نوح « وَأَنْصَحُ لَكُمْ » ( 2 ) . أي خلق اللَّه الخلق اختراعا وابتدعهم بأسرع من كن فيكون ابتداعا ، ولم يحتج إلى أحد الأشياء الأربعة التي يفتقر إليها القادر بالقدرة ، فإنه القادر لذاته أنشأهم ولم يكن فكر زمانا في ذلك حتى تولد العلم له من تفكره وتأمله ، كما يكون الواحد منا إذا أراد أن يفعل شيئا محكما ، وما جرب اللَّه مدة مديدة مثلنا حتى انفتح له ما كان مغلقا ، ولا استعمل سبحانه بدأ في ذلك ولا آلة في أحداثهم وانما هو من شأن المخلوقين ، ولا عزم تعالى على ذلك مضطربا كما يكون الواحد منا إذا أراد فعل ما دبر فيه وفكروهم ليكون مطمئنين القلب لدفع مضرة أو جلب منفعة ، واللَّه تعالى لا يجوز عليه المنافع والمضار وانما خلق الخلائق

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 68 . ( 2 ) سورة الأعراف : 62 .