قطب الدين الراوندي
50
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الجسم ، واللَّه ليس في مكان ولا تصح الإشارة إليه ، فمن أشار إليه فقد جعله جسما في مكان أو عرضا في محل ، ومن جعل له مكانا أو محلا فقده عده من جملة الأجسام والاعراض ، ومن جعل له محلا فقد جعل وجوده مضمنا بوجود محله . وهذا في الفساد أظهر . ثم قال « كائن لا عن حدث » انه عليه السلام حمد اللَّه في أول الخطبة ثم أثبت له ما هو له أهل ونفى عنه ما هو منزه عنه ، وبين حكم العارف به والجاهل له ، ثم قال : هذا المعبود هو الكائن لم يزل والباقي لا يزال ، لأنه قديم لا أول لوجوده ولا آخر ، لا يقال إنه تعالى كان معدوما ثم حدث فصار موجودا ، ولا يقال إنه تعالى مع كونه الآن موجودا فإنه يصير معدوما ، قريب مع كل شيء بمعنى الحفظ والعلم لا بمعنى الحلول والمجاورة ، بعيد من أن تدركه الحواس أو يقاس بالناس في المباينة والمزايلة ، هو الفاعل للأجسام والاعراض التي لا يدخل جنسها تحت مقدور القدر على سبيل الاجتماع ، لم يحتج إلى الآلة في فعلها لكونه قادرا لذاته ، كان فيما لم يزل سميعا بصيرا وعلى سائر صفات الكمال والجلال ويكون ذلك فيما لا يزال ، هو الواحد المتوحد بالإلهية لا يجوز عليه الاستيناس والاستيحاش إذ ليس بشيء يشاكله ولا يماثله . وقوله « إذ لا منظور إليه » إذ عبارة عن تقدير الوقت ، وقوله « ولا يستوحش » كلام مستأنف . وحقيقة الواحد أنه شيء لا ينقسم في نفسه أو في صفته ، فإذا أطلق واحد من غير تقدم موصوف فهو واحد في نفسه بقول الجزء الذي لا يتجزأ واحد وإذا أجزي على موصوف فهو واحد في صفته . تقول هذا الرجل انسان واحد . وإذا وصف اللَّه بأنه واحد فمعناه أنه لا نظير له ولا شبيه ، وأنه مختص بصفات لا يشاركه فيها غيره على ذلك الوجه . والسكن : ما سكنت إليه من العيال ، وأهل البيت الواحد ساكن .