قطب الدين الراوندي

43

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ثم قال « أول الدين معرفته » إلى قوله « ولا يستوحش لفقده » جعل عليه السلام الدين على أربعة أصول : معرفة اللَّه ، والايمان به ، وتوحيده ، والاخلاص له . ثم جعل تمام الاخلاص نفي صفات المخلوقين عنه ، وجعل تمام توحيده الاخلاص ، وجعل تمام الايمان به التوحيد ، وجعل تمام معرفته الايمان . ثم استدل على صحة ما هو تمام الفصل الرابع ، بأن قال : ان في الشاهد لا يلتبس فعل لفاعله ولا يشتبه فاعل بفعله ، فكذلك الخالق والخلق لا تجري صفات الخلق على خالقهم ، إذ لا مشابهة ولا مماثلة ولا مناسبة بينهما . واكتفى بالاستدلال على ما ذكره أخيرا من ايراده على ما سواه ، إذ هو يرجع قهقرى صحة الأصول الأربعة من آخرها إلى أولها . فليتفكر البلغاء في ذلك يطلعوا في فصاحة ما وراها مرتقى لبليغ . وأما اللغة : فان « الأول » هو ابتداء الشيء ، وهو أفعل من الأول ، وهو الرجوع ، يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا لم يكن فيه الألف واللام ، وإذا كانا فيه قيل للمؤنث الأولى . و « الدين » الطاعة لغة والاسلام والملة عرفا ، ولا تنافي بينهما ، لان اللَّه [ قد ] أمر العقلاء أن ينظروا في الدليل ليعرفوا اللَّه ، فمن عرفه فقد أطاعه ، وأمر أيضا بالايمان به والتصديق له ، فمن آمن به وصدقه فقد أطاعه ، وأمر أن لا يشركوا به شيئا ويوحدوه ، فمن وحد فقد أطاعه ، وأمر أن يخلصوا له في العبادة ولا يخلطوها بالنفاق والرياء والسمعة ، فمن أخلص للَّه فقد أطاعه . فهذه بعينها هي الملة والاسلام ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال ابن ميثم في شرحه 1 - 119 : واعلم أن معرفة الصانع سبحانه على مراتب : فأوليها وأدناها أن يعرف العبد أن للعالم صانعا ، الثانية أن يصدق بوجوده ، الثالثة أن يترقى بجذب العناية الإلهية إلى توحيده وتنزيهه عن الشركاء الرابعة مرتبة الاخلاص له ، الخامسة نفي الصفات التي تعتبرها الأذهان له عنه . وهي غاية العرفان ومنتهى قوة الانسان ، وكل مرتبة من المراتب الأربع الأولى مبدأ لما بعدها من المراتب ، وكل من الأربع الأخيرة كمال لما قبلها . إلى آخر قوله رفع اللَّه درجته .