قطب الدين الراوندي

40

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقوله « ووتد بالصخور ميدان أرضه » عبر بالتوتيد عن إزالة اضطراب الأرض الكائن أول مرة أو عن كونه أمانا عن زلزالها الذي يكون في آخر الأمر ويقال وتدت بالوتد أتده ، وللتكثير وتدّ يوتد . واللَّه تعالى أرسى الأرض وتد بها بالجبال كما يرسي البيت بالأوتاد والجبال . « والصخر » الحجر الشديد الصلب ، والمراد بالصخور الجبال . ويقال مادت الأغصان ميدانا : أي تحركت وتمايلت ، والفعلان انما يقال في شيء فيه اضطراب شديد وتحرك عظيم وتزلزل قوي . والأرض لم يجيء في القرآن جمعها . وأما المعنى : فإنه عليه السلام نبه المكلفين على النظر في نعماء اللَّه ، فإنه ابتدأ خلقهم وقدرهم ومكنهم وأقدرهم وأعلمهم ، فمنهم من خلقه اللَّه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم أنشأه خلقا سويا [ وهذا يكون في مثل بني آدم ] ( 1 ) بالتناسل ، ومنهم من خلقه على سبيل الانشاء والابتداء [ كالملائكة ] على ما تقتضيه المصالح . ثم هيأ أسباب أرزاقهم وهيأ أمر معاشهم ، أرسل الرياح فجمعت السحاب فأنزل المطر منه فأنبت به الزرع والأشجار ، يأخذون منها المآكل والثمار ، وجعل الأرض قرارا مهينا للتصرف فيها كالمهد للصبي ، وجعل الجبال للأرض أوتادا لئلا تميد بأهلها ، كما أن الخيام انما تستقر وتثبت بالأطناب والأوتاد فيستمهد أهلها لكونها ويستنيمون لمكانها . وأما ما يتعلق به من الكلام : فان أصحاب الصفات من الأشعرية ( 2 ) ونحوهم

--> ( 1 ) الزيادة من م . ( 2 ) هم الذين يثبتون للَّه تعالى الصفات الأزلية كالعلم والقدرة والحياة وغيرها من الإرادة والسمع والبصر والجلال والكلام والاكرام والجود والانعام والعزة والعظمة ، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا . وكذلك يثبتون صفات جسدية مثل اليدين والرجلين ولا يؤلون ذلك ، ألا أنهم يقولون بتسميتها صفات جبرية . وهم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق الأشعري المتولد بالبصرة سنة 260 والمتوفى ببغداد سنة 324 ، ينتهي نسبه إلى أبى موسى الأشعري . وأبو الحسن تلميذ أبى علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة . أنظر : الملل والنحل 1 - 85 ، 94 ، الأعلام للزركلي 5 - 69 ، دائرة المعارف وجدي 5 - 498 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 1 - 17 ، 59 .