قطب الدين الراوندي
31
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وفي هاتين الكلمتين أنواع من البلاغة : منها - المجاز الذي هو وصف الهمة بالبعد والفطنة بالغوص ، وفي الحقيقة يوصف بذلك أربابهما ( 1 ) . ومنها - جمع الكلام المبالغ فيه ما هو دونه ، فإنه قال « لا يدركه بعد الهمم » على أن الهمة القريبة لا تدركه أيضا ، وكذا الكلام في « غوص الفتن » وما دون ذلك . ونحوه « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » ( 2 ) ، فإنه لما استولى على العرش مع أنه أكبر المخلوقات فلان يكون عاليا على ما دونه أولى . ونحوه و [ إن كان ] بالعكس من وجه آخر قوله « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا » ( 3 ) ، فإنه أدنى العقوق وقد نهى سبحانه عن كثير العقوق أيضا ، أي لا تؤذهما بقليل ولا كثير . ومنها - المقاطع بالحروف غير المتجانسة ، لقوله تعالى « وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ والسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ » ( 4 ) . والعلة في حسن ذلك أن المراد بالمقاطع الدلالة على انتهاء
--> ( 1 ) قال ابن ميثم في الشرح 1 - 114 : . . فان حقيقته تعالى لما كانت برية عن جهات التركيبات عرية عن اختلاف الجهات مترعة عن كثير المتكثرات وكانت الأشياء انما تعلم بما هي من جهة حدودها المؤلفة من أجزائها ، فإذن صدق أن واجب الوجود ليس بمركب ليس بمدرك الحقيقة ، فلا تدركه همة وان بعدت ولا تناله فطنة وان اشتدت ، فكل سائح في بحار جلاله غريق ، فكل مدع للوصول فبأنوار كبريائه حريق . لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . ( 2 ) سورة طه : 5 . ( 3 ) سورة الإسراء : 23 . ( 4 ) سورة الطور : 4 و 5 .