ابن إدريس الحلي

95

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان

فصل : قوله « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » الآية : 17 . قال الحسن وقتادة والسدي وابن جريح ووهب بن منبه : يعني جبرئيل عليه السّلام وسماه اللَّه روحا لأنه روحاني لا يشوبه « 1 » شيء من غير الروح ، وخص بهذه الصفة تشريفا له . وقيل : لأنه تحيا به الأرواح بما يؤديه إليهم من أمر الأديان والشرائع . فان قيل : كيف تعوذت منه ان كان تقيا ؟ والتقي لا يحتاج أن يتعوذ منه ، وانما يتعوذ من غير التقي ؟ . قيل : المعنى في ذلك أن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط اللَّه ، ففي ذلك تخويف وترهيب ، كما يقول القائل : ان كنت مؤمنا فلا تظلمني وتكون هي غير عالمة بأنه تقي أم لا . فقالت مريم عند ذلك متعجبة من قول جبرئيل « أنى يكون لي غلام » أي : كيف يكون ذلك . « ولم يمسسني بشر » بالجماع على وجه الزوجية . « ولم أك بغيا » أي : لم أك زانية ، في قول السدي وغيره ، وهي التي تطلب الزنا ، لان معنى تبغيه تطلبه . وأصله لم أكن ، لأنه من كان يكون . وانما حذفت النون لاستخفافها على ألسنتهم ولكثرة استعمالهم لها ، كما حذفوا الألف من لم أبل ، وأصله لم أبالي ، لأنه من المبالاة ، وكقولهم « لا أدر » وكقولهم « أيش » وأصله أي شيء ومثله كثير . فصل : قوله « قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا » الآية : 23 . قالت هذا استحياء من الناس « وكنت نسيا منسيا » فالنسيء المتروك حتى ينسى بالفتح والكسر . وقيل : النسيء خرقة الحيض التي تلقيها ، قال الشاعر :

--> ( 1 ) . في التبيان : لا يشبه .