ابن إدريس الحلي

78

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان

حلف على أمر يفعله ، ثم رأى ما هو خير له ، فليحنث وليكفر . ولو كان الاستثناء جائزا بعد مدة ، لكان يقول : فليستثن ولا يحتاج إلى الكفارة ولا يلزمه الحنث . وقد روي في أخبارنا مثل ما حكيناه عن ابن عباس . ويشبه أن يكون المراد به أنه إذا استثنى وكان قد نسي من غير تعمد ، فإنه يحصل له ثواب المستثنى دون أن يؤثر في كلامه ، وهو الأشبه بابن عباس وأليق بعلمه وفضله ، فان ما حكي عنه بعيد جدا . وقال الكسائي والفراء : التقدير ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غدا الا أن تقول ان شاء اللَّه فأضمر القول . وانما كان الاستثناء مؤثرا إذا كان الكلام متصلا لأنه يدل على أنه يؤول كلامه ، وإذا لم يكن متصلا ، فقد استقرت نيته وثبتت ، فلا يؤثر الاستثناء فيها . فصل : قوله « ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً . قُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَه غَيْبُ السَّماواتِ والأَرْضِ » الآية : 25 - 26 . معناه : اخبار من اللَّه تعالى وبيان عن مقدار مدة لبثهم ، أعني أصحاب الكهف إلى وقت انتباههم . ثم قال لنبيه : فان حاجك المشركون فيهم من أهل الكتاب فقل « اللَّه أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا » . ويحتمل أن يكون المعنى : ولا يجوز لحاكم أن يحكم الا بما حكم اللَّه به أو بما دل على حكم اللَّه ، وليس لاحد أن يحكم من قبل نفسه ، فيكون شريكا للَّه في أمره وحكمه . وقيل : ان معناه : قل اللَّه أعلم بما لبثوا إلى أن ماتوا . وحكي عن قتادة أن ذلك حكاية عن قول اليهود ، وأنهم الذين قالوا : لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ، وقوى ذلك بقوله « قُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا »