ابن إدريس الحلي
65
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
به هو الفسق وان وقع بعده الفسق ، بل لا يمتنع أن يكون التقدير : وإذا أردنا أن نهلك أهل قرية أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها فحق عليها القول ، وجرى ذلك مجرى قولهم أمرته فعصى ، والمراد أمرته بالطاعة فعصى . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : المعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا ، ومثله أمرتك فعصيتني . ومن قرأ « أَمَرْنا مُتْرَفِيها » بتشديد الميم بمعنى أكثرنا ، من قولهم سكة مأبورة ومهرة مأمورة ، أي : كثيرة النتاج ، فالمعنى أي : أكثرنا عددهم أو مالهم ففسقوا ، فقد سلم من الاعتراض . فصل : قوله « وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ » الآية : 23 . في « أُفٍّ » سبع لغات : روي عن الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليهم السّلام أنه قال : لو علم اللَّه لفظة أو جز في ترك عقوق الوالدين من أف لاتى بها . فان قيل : هل أباح اللَّه أن يقال لهما أف قبل أن يبلغا الكبر ؟ قلنا : لا ، لان اللَّه أوجب على الولد طاعة الوالدين على كل حال وحظر عليه أذاهما . وانما خص الكبر ، لان وقت كبر الوالدين مما يضطر فيه الوالدين إلى الخدمة إذا كانا محتاجين عند الكبر ، وفي المثل يقال : « فلان أبر من النسر » لان النسر إذا كبر ولم ينهض للطيران جاء الفرخ فزقه كما كان أبواه يزقانه ، ومثله قوله « ويُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وكَهْلًا » « 1 » . والوجه في قوله « وكهلا » مع أن الناس يتكلمون كلهم حال الكهولية أن اللَّه تعالى أخبر أن عيسى يكلم في المهد أعجوبة ، وأخبر أنه يعيش حتى يكتهل ويتكلم
--> ( 1 ) . سورة آل عمران : 46 .