ابن إدريس الحلي

62

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان

الثاني : أنه لا يحكم بهدايتهم لكونهم كفارا . فأما نصب الدلالة فقد هدى اللَّه جميع المكلفين ، كما قال « وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى » « 1 » . وقيل : انهم لما لم يهتدوا بتلك الأدلة فكأنها ما نصبت لهم ونصبت للمؤمنين الذين اهتدوا بها ، فلذلك نفاها عنهم فكأنها لم تكن . فصل : قوله « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » الآية : 110 . نزلت في المستضعفين المفتنين بمكة عمار وبلال وصهيب ، فإنهم حملوا على الارتداد عن دينهم ، فمنهم من أعطى ذلك تقية ، منهم عمار فإنه أظهر ذلك تقية ثم هاجر . قال الرماني : في الآية دلالة على أنهم فتنوا عن دينهم بمعصية كانت منهم لقوله « ان ربك من بعدها لغفور رحيم » لان المغفرة الصفح عن الخطيئة ، ولو كانوا أعطوا التقية على حقها لم تكن هناك تقية « 2 » . هذا الذي ذكره ليس بصحيح ، ولا في الكلام دلالة عليه ، وذلك أن اللَّه تعالى انما قال « ان ربك من بعدها » يعني : بعد الفتنة التي يشق أمرها « لغفور رحيم » أي : ساتر عليهم ، لان ظاهر ما أظهروه يحتمل القبيح والحسن . فلما كشف اللَّه عن باطن أمورهم وأخبر أنهم كانوا مطمئنين بالايمان كان في ذلك ستر عليهم وإزالة للظاهر المحتمل إلى الأمر الجلي ، وذلك من نعم اللَّه عليهم . فصل : قوله « فَأَذاقَهَا اللَّه لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ » الآية : 112 . انما سماه لباس الجوع لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوب اللون وسوء

--> ( 1 ) . سورة فصلت : 17 . ( 2 ) . في التبيان : خطيئة .