ابن إدريس الحلي
59
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
يقول اللَّه تعالى ان اليوم الذي « نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً » اي : من يشهد عليهم . « مِنْ أَنْفُسِهِمْ » أي : من أمثالهم من البشر ، ويجوز أن يكون ذلك نبيهم الذي بعث إليهم . ويجوز ان يكونوا مؤمنين عارفين باللَّه ونبيه يشهدون عليهم بما فعلوه من المعاصي . وفي ذلك دلالة على أن كل عصر لا يخلو ممن يكون قوله حجة على أهل عصره عدل عند اللَّه ، وهو قول الجبائي وأكثر أهل العدل ، وهو قولنا وان خالفناهم في من هو ذلك العدل والحجة . « وجِئْنا بِكَ » يا محمد « شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ » يعني : كفار قريش وغيرهم من الذين كفروا بنبوته ، ثم قال « ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ » يعني القرآن « تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » أي : بيانا لكل أمر مشكل . والتبيان والبيان واحد . ومعنى العموم في قوله « لِكُلِّ شَيْءٍ » المراد به من أمور الدين ، اما بالنص عليه ، أو الإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والحجج القائمين مقامه أو اجماع الأمة ، أو الاستدلال لأن هذه الوجوه أصول الدين وطرق موصلة إلى معرفته . فصل : قوله « إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى » الآية : 90 . « بِالْعَدْلِ » يعني : الانصاف بين الخلق وفعل ما يجب على المكلف والإحسان إلى الغير . ومعناه : يأمركم بالإحسان ، فالأمر بالأول على وجه الإيجاب ، وبالإحسان على وجه الندب . وفي ذلك دلالة على أن الامر يكون أمرا بالمندوب اليه دون الواجب . « وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى » أي : وأمركم بإعطاء ذي القربى ، ويحتمل أمرين : أحدهما : صلة الأرحام ، فيكون ذلك عاما في جميع الخلق .