ابن إدريس الحلي
204
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
فالسادة جمع سيد ، وهو المالك « 1 » المعظم الذي يملك تدبير السواد الأعظم ويقال للجمع الأكثر السواد الأعظم ، يراد به السواد المنافي لشدة البياض والضياء الأعظم . فصل : قوله « إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » الآية : 72 . الأمانة هي العقد الذي يلزم الوفاء به مما من شأنه أن يؤتمن على صاحبه ، وقد عظم اللَّه شأن الأمانة في هذه الآية وأمر بالوفاء بها ، وهو الذي أمر به في سورة المائدة ، وعناه بقوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » . وقيل : في قوله « عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ » مع أن هذه الأشياء كمالات لا يصح تكليفها أقوال : أحدها : أن المراد عرضنا على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال . وثانيها : أن المعنى في ذلك تفخيم شأن الأمانة وتعظيم حقها ، وأن من عظم منزلتها أنها لو عرضت على الجبال والسماوات مع عظمها ، وكانت تعلم بأمرها لا شفقت منها ، غير أنه خرج مخرج الواقع ، لأنه أبلغ من المقدر . وقيل : الأمانة ما خلق اللَّه تعالى في هذه الأشياء من الدلائل على ربوبيته ، فظهور ذلك منها كأنهم أظهروها ، والإنسان جحد ذلك وكفر به . وانما قال « فَأَبَيْنَ » ولم يقل فأبوا حملا على اللفظ ، ولم يرده إلى معنى الآدميين ، كما قال « والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ » « 2 » « فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ » « 3 » حملا على المعنى دون اللفظ .
--> ( 1 ) . في التبيان : الملك . ( 2 ) . سورة يوسف : 4 . ( 3 ) . سورة الشعراء : 4 .