ابن إدريس الحلي
173
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
صبروا في جنب اللَّه مرتين : أحدهما لفعلهم الطاعة . والثاني : للصبر عليها لما يوجبه العقل من التمسك بها . والصبر حبس النفس عما ينازع اليه مما لا يجوز أن يتخطئ اليه ، ولذلك مدح اللَّه الصابرين . والصبر على الحق مر الا أن يؤدي إلى الثواب الذي هو أحلى من الشهد . فصل : قوله « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » الآية : 56 . هذه الآية نزلت لان النبي صلَّى اللَّه عليه وآله كان يحرص على ايمان قومه ويؤثر أن يؤمنوا كلهم ، ويجب أن ينقادوا له ويقروا بنبوته وخاصة أقاربه ، فقال اللَّه تعالى له : انك لا تقدر على ذلك ، ولا في مقدورك ما تلطف لهم في الايمان ، بل ذلك في مقدور اللَّه يفعله بمن يشاء إذا علم أنهم يهتدون عند شيء فعل بهم ، فلا ينفع حرصك على ذلك . وروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي طالب ، وعن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السّلام أن أبا طالب مات مسلما ، وعليه اجماع الامامية لا يختلفون فيه ، ولها على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم ليس هذا موضع ذكرها . ثم قال حاكيا عن الكفار أنهم قالوا : ان نتبع محمدا وما يدعونا اليه ، ونقول انه هدى وموصل إلى الحق « نتخطف من أرضنا » فقال اللَّه لهم « أَولَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً » . وقيل : في وجه جعله الحرم آمنا وجهان : أحدهما - بما طبع النفوس عليه من السكون اليه وترك النفور مما ينفر عنه في غيره ، كالغزال مع الكلب والحمام مع الناس وغيرهم ، والوجه الاخر بما حكم به على العباد وأمرهم أن يؤمنوا من