ابن إدريس الحلي
127
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
الغذاء ، والغذاء ينبت من التراب ، فكان أصلهم كلهم التراب ، ثم أحالهم بالتدريج إلى النطفة ، ثم أحال النطفة علقة ، وهي القطعة من الدم جامدة ، ثم أحال العلقة مضغة ، وهي شبه قطعة من اللحم ممضوغة ، والمضغة مقدار ما يمضغ من اللحم . وقوله « مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ » قال قتادة : تامة الخلق وغير تامة وقيل : مصورة وغير مصورة ، وهي السقط ، في قول مجاهد . وقوله « ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ » قيل : معناه أهونه وأخسه عند أهله وقيل : أحقره . وقيل : هي حال الخرف ، وانما قيل أرذل العمر ، لان الإنسان لا يرجو بعده صحة وقوة ، وانما يترقب الموت والفناء ، بخلاف حال الطفولية . وقوله « لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً » معناه : ان رددناه إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ، لأنه يزول عقله من بعد أن كان عاقلا عالما بكثير من الأشياء ينسى جميع ذلك . فصل : قوله « وأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » الآية : 10 . انما ذكره بلفظ المبالغة وان كان لا يفعل القليل من الظلم لامرين : أحدهما : أنه خرج جوابا للمجبرة وردا عليهم ، لأنهم ينسبون كل ظلم في العالم اليه تعالى ، فبين أنه لو كان كما قالوا لكان ظلاما وليس بظالم . الثاني : أنه لو فعل أقل قليل الظلم كان عظيما منه ، لأنه يفعله من غير حاجة اليه فهو أعظم من كل ظلم فعله فاعله لحاجته اليه . فصل : قوله « ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّه عَلى حَرْفٍ » الآية : 11 . ان في الناس من يوجه عبادته إلى اللَّه على ضعف في العبادة ، كضعف القيام على حرف جرف ، وذلك من اضطرابه في استيفاء النظر المؤدي إلى المعرفة ، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها . والحرف والطرف والجانب نظائر ، والحرف منتهى الجسم ، ومنه الانحراف