الشيخ عباس القمي
69
الأنوار البهية
العجز ، مقصر عن الغاية ، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ، وكانت ( 1 ) الاخبار عنك إلى علم الناس بك ، وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ، ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره ، والتحريض ( 2 ) عليه ، ووضع المعائب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة ، أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار إن حجبت عنه عينا ( 3 ) واحدة ، أدركته عيون كثيرة ، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، كل من بزغ فيها بعده ، فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ، إلى آخر ما قال في ذلك ( 4 ) . وقال صاحب مدينة المعاجز : وأما ما جاء في فضل علي أمير المؤمنين عليه السلام ، فأحاديثه لا تحصى ، وآثاره لا تستقصى ، فمن طريق المخالفين ما ذكر صاحب ثاقب المناقب ، عن محمد بن عمر الواقدي ، قال : كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرفة ، فقعد ذات يوم وحضره الشافعي وكان هاشميا يقعد إلى جنبه ، وحضر محمد بن الحسن وأبو يوسف فقعدا بين يديه ، وغص المجلس بأهله ، فيهم سبعون رجلا من أهل العلم ، كل منهم يصلح أن يكون إمام صقع من الأصقاع . قال الواقدي : قد خلت في آخر الناس ، فقال الرشيد لم تأخرت ، فقلت : ما كان
--> ( 1 ) في المصدر : ( ووكلت ) . ( 2 ) في المخطوطة ( التحريف ) وما أثبتناه هو الصحيح . ( 3 ) في المصدر : ( عين ) . ( 4 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 1 ص 16 .