الشيخ عباس القمي

121

الأنوار البهية

وما أن بنى في كل يوم وليلة * يروح عليها صرفها ويباكر تعاوره آفاتها وهمومها * وكم ما عسى يبقى لها المتعاور فلا هو مغبوط بدنياه آمن * ولا هو عن تطلابها النفس غادر ( 1 ) كم غرت من مخلد إليها ، وصرعت من مكب عليها ، فلم تنعشه من صرعته ، ولم تقله من عثرته ، ولم تداوه من سقمه ولم تشفه من ألمه . بلى أوردته بعد عز ومنعة * موارد سوء ما لهن مصادر فلما رأى ألا نجاة وأنه * هو الموت لا ينجيه منه المؤازر تندم لو يغنيه طول ندامة * عليه وأبكته الذنوب الكبائر بكى على ما أسلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه حيث لا ينفعه الاستعبار ، ولا ينجيه الاعتذار من هول المنية ، ونزول البلية . أحاطت به آفاته وهمومه * وابلس لما أعجزته المعاذر فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر وقد جشأت خوف المنية نفسه * ترددها دون اللهاة الحناجر هنالك خف عنه عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، وارتفعت الرنة والعويل ، ويئسوا من برء العليل ، غضوا بأيديهم عينيه ، ومدوا عند خروج نفسه رجليه . فكم موجع يبكي عليه تفجعا * ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له الله مخلص * يعدد منه خير ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته * وعما قليل كالذي صار صائر شق جيوبها نساؤه ، ولطم خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزئه ( 2 ) إخوانه ، ثم أقبلوا على جهازه وتشمروا لابرازه . فظل أحب القوم كان لقربه * يحث على تجهيزه ويبادر وشمر من قد احضروه لغسله * ووجه لما فاظ للقبر حافر

--> ( 1 ) في المصدر : ( قاصر ) . ( 2 ) في المصدر : ( رزيته ) .