ابن قتيبة الدينوري
مقدمة 29
الانواء في مواسم العرب
من علم البروج والصور بمعزل وإن كان أبو محمد عبداللَّه بن مسلم بن قتيبة الجبلي يهوّل ويطول في جميع كتبه ، وخاصة في كتابه في تفضيل العرب على العجم . وزعم أن العرب أعلم الأمم بالكواكب ومطالعها ومساقطها . ولا أدرى أجهل أم تجاهل ما عليه الزراعون والأكرة في كل موضع وبقعة من علم ابتداء الأعمال وغيرها ومعرفة الأوقات على مثل ذلك . فان من كان السماء سقفه ، ولم يكنّه غيرها ، ودام عليه طلوع الكواكب وغروبها على نظام واحد ، علَّق مبادئ أسبابه ومعرفة الأوقات بها . بل كان للعرب ما لم يكن لغيرهم ، وهو تخليد ما عرفوه أو حدسوه ، حقا كان أو باطلا ، حمدا كان أو ذمّا ، بالأشعار والأرجوزة والأسجاع . وكانوا يتوارثونها فتبقى عندهم أو بعدهم . ولو تأملتها من كتب الأنواء . وخاصة كتابه الذي وسمه بعلم مناظر النجوم « 1 » ومما أوردنا بعضه في آخر الكتاب ، لعلمت أنهم لم يختصوا من ذلك بأكثر مما اختص فلَّاحو كل بقعة . ولكن الرجل مفرط فيما يخوض فيه ، وغير خال عن الأخلاق الجبلية في الاستبداد بالرأي . وكلامه في هذا الكتاب المذكور يدل على إحن وترات بينه وبين الفرس إذ لم يرض بتفضيل العرب عليهم حتى جعلهم أرذل الأمم وأخسّها وأنذلها ؛ ووصفهم بالكفر ومعاندة الإسلام بأكثر مما وصف اللَّه به الأعراب في سورة التوبة ، ونسب إليهم من القبائح ما لو تفكر قليلا وتذكَّر أوائل من فضل عليهم ، لكذّب نفسه في أكثر ما قاله في الفريقين تفرّطا وتعدّيا « - ه .
--> « 1 » هو كتاب الأنواء هذا .