ابن قتيبة الدينوري

مقدمة 9

الانواء في مواسم العرب

وكذلك عدّوا في السنة الشمسية عددا غير معلوم - يكاد يكون 28 « 1 » - من أوقات مختلفة المدة ، يدلّ على ابتدائها سقوط نجم معلوم ؛ وأطلقوا على كل واحد منها اسم النوء « 2 » ( وجمعه أنواء ) ، فنشأ من ملاحظاتهم أسجاع « 3 » تخصّ طلوع الرقائب وسقوط الأنواء ، وتشير إلى الحوادث التي يمتاز بها كل نوء . وعلاوة على الأسجاع البسيطة المتداولة بين الناس ، نشأ أيضا علم على حدة ، كالقيافة والعرافة وغير هما من علوم البادية ، فتخصّص فيه بعض الأشخاص في كل قبيلة . وربما تميزت بالخبرة فيه قبيلة بأجمعها ، كبنى ماوية وبنى مرة ( راجع فقرة « 3 » من متن هذا الكتاب صفحة 2 ) . هذا ما كان العرب قد بلغه استنباطا في قديم الزمان . ثم أخذوا من اليونان معرفة البروج ، وذلك قبل الإسلام إذ ذكرها القرآن أربع مرات ، حتى ورد مثلا في الآية 16 من سورة الحجر : * ( ولَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ) * . ولفظ البرج يوناني الأصل وفى اللاتينية ( burgus ) غير أنه ليس من المستبعد أن العرب لم يأخذوا البروج من اليونان مباشرة ، بل بواسطة بابل أو إيران ، كما أنه من الأكيد أنهم اقتبسوا منازل القمر من الهند

--> « 1 » ومما ينبه عليه أن الثماني والعشرين هو أيضا عدد حروف الهجاء عند العرب كما هو عدد منازل القمر « 2 » فالنوء في بعض اللهجات ، وحتى في العربية العصرية : « المطر » « 3 » تضارع هذه الأسجاع ، الأمثال السائرة في جميع الأمم السالفة والباقية وراجع لأسجاع العرب كلمة « ساجع » في فهرست الأسماء والأعلام من هذا الكتاب .