الشريف الرضي
89
المجازات النبوية
فلان في الدنيا انغماسا : إذا كثر التباسه لها وعظم أخذه منها تشبيها لها بغمرة الماء إذا خاضها الخائض أو غمس فيها الغامس ( 1 ) . 56 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " كل عين زانية " ، وهذه استعارة ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يرد حقيقة الزناء المذموم ، وإنما أراد أن كل عين لابد أن تكون لها طمحة إلى حسن أو طرحة إلى أرب . وإن كان ذو التقوى يكبح نفسه بالشكيم ، ويعرك ( 2 ) شهوته عرك الأديم ( 3 ) ، ولا يكون نظره إلا فلتة ، ولا تتبع النظرة النظرة كما قال عليه الصلاة والسلام ، وقد قال الشاعر : نظرت إليها بالمحصب من منى * ولى نظر لولا التحرج عارم ( 4 ) فوصف النظر بالعرام ( 5 ) في هذا الشعر كوصف العين بالزنا في هذا
--> ( 1 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه حدوث منافع الدنيا الكثيرة وخيراتها للانسان بالماء الكثير الذي يصب عليه ، واشتق من الصب بمعنى الحدوث ، صب بمعنى حدث أو أصاب على طريق التبعية . ومعلوم أن في الحديث مجازا بالحذف ، لان التقدير إذا صبت عليكم خيرات الدنيا . ( 2 ) يعرك يفرك ويدلك ليجعلها هادئة غير شديدة . ( 3 ) الأديم : الجلد ، وإذا دلك الجلد صار ناعما وذهبت خشونته ، كما تذهب خشونة الشهوة . ( 4 ) المحصب : موضع بمنى تجمع فيه الحصباء وترمى بها الجمار ، والتحرج : خوف الوقوع في الحرج وهو الحرام والعارم : الشديد . ( 5 ) العرام : الحدة .