الشريف الرضي

58

المجازات النبوية

ومنابت الأعشاب ، فيكون ارتحالهم على خبره ، واستنامتهم إلى نظره . ومنه الحديث : الرائد لا يكذب أهله " فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل الحمى مقدمة للموت وطليعة للحتف . ( والاستعارة الأخرى ) قوله عليه الصلاة والسلام : وهي سجن الله في الأرض يحبس بها عبده إذا شاء ويرسله إذا شاء . فكأنه عليه الصلاة والسلام شبهها بالسجن من حيث منعت صاحبها من التصرف والاضطراب وغفلته عن قضاء الآراب ( 1 ) ، فكان أسيرها حتى تطلقه ورقيقها حيت تعتقه ، ومثل ذلك الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " لأنه عليه الصلاة والسلام شبه الدنيا بالسجن للمؤمن من حيث قصر فيها خطوه عن اللذات ، وكبح لجامه عن الشهوات ، وحصر نفسه عن التسرع إلى ما تدعو إليه الدواعي المخزية ، والأهواء المردية . وكان زمام نفسه وخطامها ، وهاديها وإمامها ، خائفا خوف الجاني المرعوب ، والطريد المطلوب ، في عصبة عملوا للمعاد ، وفطنوا للزاد ، تحسبهم من طول سجودهم أمواتا ، ومن طول قيامهم نباتا . ومن أحسن ما سمعته في هذا المعنى أن بعض الزهاد المنقطعين طلب القوت من بعض الراغبين المفتونين ، فقيل له في ذلك . فقال :

--> ( 1 ) الآراب جمع أرب : بفتح الهمزة والراء وهو الغاية والبغية وأصلها أأراب قلبت الهمزة الثانية الساكنة مدة من جنس حركة ما قبلها .