الشريف الرضي
439
المجازات النبوية
( أحدهما ) أن تكون أموال الصدقات لما كان إخراجها مطهرا لما وراءها من سائر الأموال ، جرت مجرى المياه التي تغسل بها الأدران ، وتزال بها الأنجاس في انتقال تلك الأدران إليها ، وحصول تلك الأدناس والأنجاس فيها . ( والوجه الآخر ) أن يكون المراد أن أموال الصدقات في الأكثر لا تكون إلا أسافل الأموال دون أخايرها ، ومفارقاتها ( 1 ) دون كرامها . وذلك أمر عليه الصلاة والسلام في الصدقة بالأخذ من حواشي ( 2 ) الأموال دون حرزاتها ، وهي خيارها ، وإنما نسب عليه الصلاة والسلام تلك الأوساخ إلى الأيدي ، لان الأموال المعطاة في الأكثر إنما تكون بها وتمر عليها ، وقد مضى الكلام على مثل هذا المعنى فيما تقدم ( 3 ) .
--> ( 1 ) ومفارقات : معطوف على أسافل ، أي ولا تكون إلا مفارقاتها دون كرامها ، والمراد بالمفارقات التي يرضى أصحابها بمفارقتها لهم ويبذلونها عن طيب خاطر ، لأنها غير عزيزة عليهم والكرام لا تهون عليهم . ( 2 ) حواشي الأموال : صغارها وأقلها قيمة كما سبق في حديث " خذ من حواشي أموالهم " . ( 3 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تصريحية ، حيث شبه مال الصدقة بالأوساخ ، بجامع أنها تطهر غيرها كما أن الأوساخ إذا خرجت طهرت غيرها ، واستعمل لفظ المشبه به في المشبه ، أو بجامع أنها نفايات الأموال ، كما أن الأوساخ نفايات الأجسام ، وفي أيدي مجاز مرسل علاقته السببية ، حيث أراد بالأيدي الأموال ، لان المعنى أوساخ أموال الناس ، ولما كانت الأموال تملك وتعطى باليد ، كات اليد سببا للأموال المعطاة ، فاستعمل لفظ السبب في المسبب .