الشريف الرضي

434

المجازات النبوية

الامر بالانفاق ، إنما يراد به إخراج المال في الواجب . فأما تسمية العرب من لا يقرى النازل ولا يعطى السائل بالبخيل ، فلأنهم اعتقدوا وجوب ذلك عليه ، فوصفوه بالبخل لامتناعه منه وأساميهم تتبع اعتقاداتهم ( 1 ) . 352 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : وقد سأله رجل من جهينة متى يصلى العشاء الآخرة ( 2 ) فقال : " إذا ملا الليل بطن كل واد " ، وهذا مجاز ، لان الليل على الحقيقة لا تملأ به بطون الأودية ، كما تمتلئ بطون الأوعية ، وإنما المراد إذا شمل ظل الليل البلاد ، وطبق النجاد والوهاد ، فصار كأنه سداد لكل شعب وصمام لكل نقب ( 4 ) .

--> ( 1 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث تشبيه ضمني ، حيث شبه البخل بالداء بجامع إفساد الطبيعة في كل ، واستعمل لذلك الأسلوب الذي يدل على ثبوت وصف البخل بالداء وتخلفه في باب الأمراض ، فاستفهم استفهاما إنكاريا عن أي داء أشد من البخل فقال " وأي داء أدوى من البخل " أي لا داء أدوى من البخل . ( 2 ) العشاء الآخرة : هي صلاة العشاء ، وتسمى بالآخرة لان المغرب تسمى عشاء أيضا إلا أنها عشاء أولى . ( 3 ) بطن الوادي مسيله ومنحدره ، وإذا عم الليل المنحدرات فقد تم إظلامه وأسبغ إلياله . ( 4 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه عموم ظلام الليل للأودية بملء بطونها ، بجامع الحلول الشامل في كل ، واشتق من الملء بمعنى العموم ، ملا بمعنى عم ، على طريق الاستعارة التبعية . وفيه أيضا استعارة بالكناية ، حيث شبه الأودية بالحيوانات ، وحذفها ورمز إليها بشئ من لوازمها وهو البطن ، وإثبات البطن إلى الأودية تخييل .