الشريف الرضي

422

المجازات النبوية

339 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " حجوا قبل ألا تحجوا قبل أن يمنع البر جانبه " . وفي هذا القول مجاز . والمراد حجوا قبل أن يمنع سلوك البر القاطعون لسبيله ، والعائثون في طريقه ، والحائلون بين الناس وبين دخوله . فلما جعل عليه الصلاة والسلام البر ممنوعا بمن أشرنا إلى ذكره ، حسن على طريق المجاز أن يجعله كالمانع لجانبه ( 1 ) ، والمخوف لسالكه ، لان المحجوب كرها كالمحتجب ، والممنوع قسرا كالممتنع ( 2 ) . 340 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الحمى كير ( 3 ) جهنم " وهذا القول مجاز . والمراد المبالغة في وصف حرارة الحمى واتقادها ، وشدة أوارها ، فشبهها عليه الصلاة والسلام : بكير يستمد من نار جهنم ، وهي أعظم النيران وقودا ، وأبعدها خمودا .

--> ( 1 ) يقال منع جانبه : إذا اشتدت قوته ، ومنه الناس من تحيف أطرافه والوصول إلى مكانه . ( 2 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه قطع الطريق وعدم إمكان السير فيه ، بمنع جانبه كما سبق بيانه ، بجامع عدم الوصول إليه وعدم إمكان السير فيه ، واشتق من منع الجانب بمعنى تعذر السير ، يمنع بمعنى يتعذر السير فيه ، على طريق الاستعارة التبعية . وفيه أيضا استعارة مكنية ، حيث شبه البر بالانسان الذي يمنع جانبه ويحميه من مس أحد له ، وحذفه ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو الجانب وإسناد المنع إلى البر تخييل . ( 3 ) الكير : منفاخ الحداد ، ومعنى أن الحمى كير جهنم : أنها كالكير الذي يقوى النار ، غير أن هذا الكير يلفح لفحا شديدا كأنه لفح جهنم ، لان كير جهنم فيها ، والهواء الذي يخرج منه حار حرارة جهنم .