الشريف الرضي

334

المجازات النبوية

258 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من أراد أهل المدينة يكيدهم اماع ( 1 ) كما يماع الملح في الماء " . وهذه استعارة ، والمراد أنه يمحق كيده ويضمحل أمره ، فيكون كالهباء المتلاشي والبناء المتداعي ، فلا يثبت له عماد ، ولا يد عمه سناد . فعبر عليه الصلاة والسلام عن هذه الحال بالأمياع ، لأنه لا يماع إلا الجسم المتخلخل الذي لم تستحصف جبلته ( 2 ) ، ولا استحجرت طينته ( 3 ) ، وتوصف أيضا الأجسام الرقيقة بمثل ذلك ، فيقال ماع الماء إذا جرى على وجه الأرض ، وكذلك الدم ، وأماع السمن : إذا ذاب ، وكذلك الرب ( 4 ) ويفرق بينهما بأن يقال للجسم الذي لا يتماسك إذا خلى عنه ماع كالماء والدم . ويقال للجسم الذي إذا أطلق عنه تماسك بعض التماسك أماع كالسمن والرب قال الشاعر : كأنه ذو لبد دلهمس * بساعديه جسد مورس ( 5 ) * من الدماء مائع وملبس *

--> ( 1 ) اماع : ذاب . ( 2 ) الجبلة : الطبيعة ، وتستحصف : تستحكم وتقوى . ( 3 ) أي لم تقو طينته وتجمد حتى تصير حجرا . ( 4 ) الرب : ما يبقى ثخينا بعد عصير الفاكهة ونحوها ، وثفل السمن . ( 5 ) اللبد : الشعر الذي يكون على كتفي الأسد ، وذو اللبد : هو الأسد ، والدلهس : الأسد ، والساعدان : تثنية ساعد ، وهو جزء اليد من الرسغ إلى المرفق ، والجسد : الدم ، والمورس ، شبيه الورس ، وهو نبات كالسمسم يزرع جيده في اليمن ورديئه في الحبشة . والمعنى أن الدم أصفر ، والملبس : المختلط كأن الدم اختلط بالماء .