الشريف الرضي
270
المجازات النبوية
السجود عليها ، وتعفر الوجوه فيها ، ويكون هذا القول أمر تأديب لا أمر وجوب ، لان من سجد على جلدة الأرض ومن سجد على حائل بينها وبين الوجه واحد في إجزاء الصلاة ، إلا أن مباشرتها بالسجود أفضل . وقد روى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسجد على الحمرة ، وهي الحصير الصغير يعمل من سعف النخل ، فبان أن المراد بذلك فعل الأفضل لا فعل الأوجب . ومما يقرب شبها من هذا الخبر ما روى من قوله عليه الصلاة والسلام : " نعمت العمة لكم النخلة " ، فكأنها لانتفاعهم بها ، وتعويلهم على ثمرتها ، قد قامت مقام القريبة الحانية ، وذات الرحم المتحفية ، ولم يجعلها عليه الصلاة والسلام بمنزلة الام للناس كما جعل الأرض في الخبر الأول ، لأنهم في الحقيقة لم يخلقوا منها ، ولم ينسبوا إليها ، فجعلها من حيث الانتفاع بها بمنزلة أقرب الإناث القرائب من الانسان بعد اللاتي ولدنه واللاتي ولدهن هو ، وتلك عمة الانسان وخالته ، إلا أن أخت الأب أرفع منزلة من أخت الام ، ولذلك جعلها عمة ، ولم يجعلها خالة ( 1 ) .
--> ( 1 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الأرض بالام البرة في نشأة الناس منها وعودهم إليها ، وحذف وجه الشبه والأداة . وهنا موصوف محذوف والتقدير فإنها أم برة بكم .