الشريف الرضي

220

المجازات النبوية

وتؤمن مساربه ( 1 ) ، فإن أخيف سربه ، ورنق ( 2 ) شربه ، وضيعت قواصيه ( 3 ) ، واعتميت ( 4 ) مقاربه ، كان خليقا بأن ينتقل ، وجديرا بأن يستبدل ، فكذلك النعم إذا لم يجعل الشكر قرى نازلها ، والحمد مهاد منزلها ، كانت وشيكة بالانتقال ، وخليقة بالزيال ( 5 ) . وفى رواية أخرى : أحسنوا جوار نعم الله فإنها وحشية . وباقي الخبر على لفظه . فعلى هذه الرواية كأنه عليه الصلاة والسلام شبه النعم بأوابد الوحش ( 6 ) التي تقيم مع الايناس ، وتنفر مع الايحاش ، ويصعب رجوع شاردها إذا شرد ، ودنو نافرها إذا بعد ( 7 ) .

--> ( 1 ) السرب : القطيع من الظباء والنساء وغيرهما ، والطريق والبال والقلب والنفس ؟ ، والمراد هنا قطيعه الذي يرعى في مساربه . ( 2 ) رنق : أي كدر ، والشرب : الماء الذي يشرب منه ، أي كدر ماؤه الذي يرده الشرب . ( 3 ) القواصي جمع قاصية : وهي البعيدة ، والمراد بتضييع القواصي عدم المحافظة على ما يغيب عنه من ماله . ( 4 ) يقال اعتمى واعتام : بمعنى قصد واختار ، والمقارب جمع مقربة : أي ماله القريب ، أي استصفى ماله القريب ولم يرد عليه ماله البعيد . ( 5 ) الزيال : أصله الزئال أو الزول ، مصدر زال يزول . ثم سهلت الهمزة إلى الياء وقلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة وقد أعلت في الفعل . ( 6 ) الأوابد جمع آبد : وهي الحيوانات المتوحشة . ( 7 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة بالكناية ، حيث شبه نعم الله بالحيوانات التي يمكن استئناسها وحذفها ورمز إليها بشئ من لوازمها وهو النفار المعبر عنه بنفرت بجامع بقائها إذا أدى شكرها وذهابها إذا أنكر جميلها ، وفى نفرت استعارة تبعية ، حيث شنه الذهاب بالنفار بجامع البعد والزوال في كل واشتق من النفار بمعنى الذهاب نفرت بمعنى ذهبت وزالت على طريق الاستعارة التبعية وإسناد نفرت إلى ضمير النعم ترشيح .