الشريف الرضي

159

المجازات النبوية

وهذا القول مجاز ، لان أهل القصف : كسر الشئ وحطمه . ومن ذلك ما حكى عن بعض اليهود لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة أن قال : تركت بنى قيلة ( 1 ) يتقاصفون بقباء ( 2 ) على رجل يزعم أنه نبي ، يقول من شدة ازدحامهم عليه كان بعضهم يكسر بعضا ، ومنه : سميت الريح الشديدة قاصفا ، لأنها تحطم الأشجار وتهدم الجدران . فالمراد بقوله عليه الصلاة والسلام : قصفن على الأمم أن هودا وما يجرى مجراها من السور أفيض فيها ذكر مهالك الأمم الخالية ، ومصارع القرون الماضية ، فنسب عليه الصلاة والسلام إهلاكهم إلى هذه السورة لما كانت المترجمة عن ذكر هلاكهم ، والهاتفة ثانيا ببورهم على طريق المجاز والاتساع . وقوله عليه الصلاة والسلام : " قصفن على " أي تلون على أخبار تلك المهالك وأنباء تلك المعاطب ، وهذا مجاز آخر ، لان السور متلوة وليست بتالية ، ولكنه لما نسب فعل الهلاك إليها وأقامها مقام المهلك المعطب حسن أن يقيمها مقام المتكلم المخبر ( 3 ) .

--> ( 1 ) قيلة : هي أم الأوس والخزرج ، وهما قبيلتا اليهود بالمدينة ، أي تركت اليهود أو تركت الأوس والخزرج . ( 2 ) قباء : بضم القاف ومد الهمزة وقصرها : موضع قرب المدينة ، ويتقاصفون : يتزاحمون كما قال الشريف . ( 3 ) ما في الحديث من البلاغة : في إسناد قصف إلى نون النسوة وهي ضمير هود وأخواتها مجاز عقلي ، حيث أسند الفعل إلى غير ما هو له ، لان الذي قصف الأمم هو الله تعالى ، وإنما نسبت إلى السور لأنها محل أخبارها وهلاكها وتقصيفها ، فيكون من إسناد الفعل إلى محله وإن كان المحل هنا معنويا ، وقد ورد في حديث آخر قول النبي صلى الله عليه وسلم " شيبتني هود وأخواتها " فيكون إسناد التشبيب إلى هود وأخواتها مجازا عقليا أيضا ، لان الذي شييه إنما ما هو فيها من أخبار الهالكين . وأخوات هود هي : يونس والقصص وغيرها مما فيه قص أخبار الهالكين .