الشيخ المفيد
157
الفصول المختارة
ولأصحاب هذا الجواب أن يقولوا : ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب من كفر قوم موسى وعبادتهم العجل وقد شاهدوا منه الآيات وعاينوا ما حل بفرعون وملئه على الخلاف ، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف رسول الله ( ص ) وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به القرآن ، ويشهدون معجزاته وآياته عليه وآله السلام ، ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله تعالى : * ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) * ( 1 ) وقوله : * ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) * ( 2 ) . وقوله : * ( ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) * ( 3 ) وما حل بهم من العقاب بسيفه عليه وآله السلام وهلاك كل من توعده بالهلاك ، هذا وفيمن أظهر الإيمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى أهل الشرك والضلال . على أن هذا السؤال لا يسوغ لأصحاب المعارف من المعتزلة لأنهم يزعمون أن أكثر المخالفين على الأنبياء كانوا من أهل العناد ، وأن جمهور المظهرين للجهل بالله يعرفونه على الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ولكنهم في الخلاف على اللجاجة والعناد . فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا الوصف الذي حكيناه ، وقد قال الله تعالى : * ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) * ( 4 ) . فأخبر سبحانه أن أهل العقاب لو ردهم الله تعالى إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الأهوال وما ذاقوا من أليم العذاب .
--> ( 1 ) - القمر / 45 . ( 2 ) - الفتح / 27 . ( 3 ) - الروم / 1 - 3 . ( 4 ) - الأنعام / 27 - 28 .