الشيخ المفيد
164
الأمالي
والاختلاف . فمضى حتى قدم على عثمان ، فلما دخل عليه قال له : لا قرب الله بعمرو عينا ( 1 ) ، فقال أبو ذر : والله ما سماني أبواي عمرا ولكن لا قرب الله من عصاه ، وخالف أمره ، وارتكب هواه . فقام إليه كعب الأحبار فقال له : ألا تتقي الله يا شيخ تجيب ( 2 ) أمير المؤمنين بهذا الكلام ؟ ! فرفع أبو ذر عصى كانت في يده فضرب بها رأس كعب ، ثم قال له : يا ابن اليهوديين ما كلامك مع المسلمين ؟ فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد ( 3 ) . فقال عثمان : والله لا جمعتني وإياك دار ، قد خرفت ، وذهب عقلك ، أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء ، ثم أنخسوا ( 4 ) به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة ، فنزلوه بها من غير أنيس حتى يقضي الله فيه ما هو قاض ، فأخرجوه متعتعا ملهوزا بالعصي ( 5 ) .
--> ( 1 ) في شرح النهج عن الواقدي " أن أبا ذر لما دخل على عثمان ، قال له : " لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب ، فقال أبو ذر : أنا جنيدب وسماني به رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخر ما قال " . ( 2 ) أي تستقبله بهذا الكلام ؟ وفي نسخة : " وتجيب " . ( 3 ) ما هذه الشنشنة في الخليفة أنه يطرد أبا ذر ويردفه بصلحاء آخرين ، ثم يستجلب حوله من يهواه من الأمويين ومن انضوى إليه من رواد النهم من أبناء اليهود المعاندين للإسلام والمسلمين ؟ وكان من صالح الخليفة أن يدنى إليه أبا ذر فيستفيد بعلمه وخلقه ونسكه وأمانته وثقته وتقواه وزهده ، لكنه لم يفعل ، وماذا كان يجديه لو فعل ؟ نعوذ بالله من الخذلان والاستدراج . ( 4 ) في الأساس : " نخسوا بفلان : نخسوا دابته وطردوه " ، وفي البحار : " ثم انجوا " وقال المجلسي ( ره ) : " قوله : ثم انجوا ، أي أسرعوا ، وقال : تعتعه : أقلقه وأزعجه " . ( 5 ) لهزه بالمرح : طعنه في صدره ، واللهز : الضرب بجميع اليد في الصدر . والعصي بالكسر العظام التي في الجناح ، وفي نسخة : " موهونا بالعصا " . قال قاضي القضاة في مغنيه : " أن أبا ذر خرج إلى الربذة مختارا كما رواه بعض " . ونحن لا ننكر ذلك النقل لكن التمسك بهذا النقل الشاذ ، وترك القول المستفيض الذي جاء بخلافه مع العلم بأن نقل الشاذ النادر والاحتجاج به في مقابل المتواتر المستفيض فعل الجاهل الغبي ليس إلا عمل من باع دينه بدنيا غيره . نستجير بالله ونعوذ به من الخذلان .