الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

71

حاشية المكاسب

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم كتاب البيع اعلم أنّ أمّ الأسباب المملكة هي الحيازات وكلّ ما عداها من الأسباب فهي متفرّعة عليها واردة في موضوعها لا أنها أسباب في عرضها فكلّ الأموال كانت أجنبيّة عن الأشخاص وكانت نسبتها إلى الكلّ نسبة واحدة وبالحيازة صارت مرتبطة بالأشخاص ووردت في سلطانها وصارت مملوكة لها فالحيازة هي السّبب الوحيد في حدوث الملك لا سبب سواها في مرتبتها وأمّا سائر الأسباب فهي أسباب في المرتبة اللَّاحقة ثم إنّ هذه السّلطنة كما تحدث بالحيازة تزول بالإعراض ورفع اليد فالحيازة والإعراض في نقطتي التقابل كالنكاح والطَّلاق وأيضا كما تحدث السّلطنة بالحيازة تنتقل السّلطنة من شخص إلى آخر بالمعاملات الاختياريّة وكذا بالنّوافل القهرية كالإرث فكل المعاملات معاملات موجبة لنقل الرّبط وتحويل السّلطان من شخص إلى آخر وتختلف بعضها من بعض تارة في مجرّد العبارة مع اتّحاد الواقع والحقيقة وأخرى بحسب المتعلَّق وثالثة في كون بعضها لنقل ربط خاص وبعضها لنقل ربط آخر فأمّا الَّذي يختلف في مجرّد العبارة فذلك هو الهبة والبيع والصّلح فإنّ هذه الثلاثة يقوم كلّ مقام آخر إذا كان مؤدّى الكلّ معنى واحدا والاختلاف في مجرّد التّعبير فإذا أردت نقل عبائك لزيد بمبلغ كذا فأنت في وسع بين أن تقول وهبتك عبائي بمبلغ كذا وبين أن تقول صالحتك عن عبائي بكذا وبين أن تقول بعتك عبائي بكذا والكلّ يودّي ويؤثّر في نقل العباء وتمليكها بمبلغ كذا نعم الهبة تؤدّيه بالمدلول المطابقي والصّلح والبيع يؤديانه بالمدلول الكنائيّ فهو كما إذا قلت زيد جواد وزيد كثير الرّماد وزيد مهزول الفصيل فالعبارة الصّريحة لنقل الملك هي الهبة سواء قيل وهبتك هذا بكذا أو قيل ملَّكتك هذا بكذا أو قيل أعطيتك هذا بكذا فصحّ أن يقال إنّ الأصل في التمليك هي الهبة وأمّا الصّلح والبيع فهما يؤدّيان النّقل بلازم المعنى وحاشيته وأمّا متن معناهما فمعنى صالحتك عن هذا بكذا هو أنّي مسالمك غير منازعك في هذا ولئن بسطت يدك لأخذ فهذا ما أنا بباسط يدي إليك لأمنعك وهذه العبارة إذا أتى بها في مقام التّمليك إفادة للتّمليك بنحو أبلغ ونظيره ما إذا قيل كيسي كيسك وأنا عبدك ومعنى بعتك هذا بكذا إنشاء المبادلة والمقايسة بين المالين وجعل أحدهما نازلا منزلة الآخر قائما مقامه في الملكيّة بأن يأخذ ملكيّته ويعطيه ملكيّة نفسه فيصبح كلّ منهما مملوكا لمالك الآخر فإذا أنشأت المبادلة لغرض نقل الملك أفادت إنشاء نقل الملك بلازم المعنى ولكن سلطان كلّ من المالكين محفوظ والتّغيير والتبديل في المالين برفع كلّ ووضع الآخر مكانه وبالجملة كلّ التعابير الثّلاثة مطلبها واحد وتعبيرها مختلف فجاز التّعبير بكلّ مقام الآخر فيصرّح بالتّمليك تارة بعبارة وهبت وملَّكت ويكني عنه أخرى بعبارة بعت وصالحت الَّتي إحداهما لإنشاء التبديل بين المالين والأخرى بلسان أنّ المالك سلم وباختلاف هذه التعابير تختلف الأحكام الشرعيّة فإذا أنشأ التّمليك بعبارة البيع جاء خيار المجلس والحيوان واعتبر معلوميّة العوضين وكان تلف المبيع قبل قبضه من بائعه إلى آخر ما للبيع من الأحكام بخلاف ما إذا أنشأ التمليك بتلك العبارتين الآخرتين ولا غرو في اختلاف الأحكام باختلاف التعبيرات وممّا ذكرناه يظهر أن كلَّا من البيع والهبة والصّلح يأتي لنقل العين ولنقل المنفعة وليس يختصّ البيع بنقل الأعيان كما توهّم بل كما جاز أن تقول بعتك داري أو بستاني جاز أن تقول بعتك منفعة داري أو بستاني بكذا وليس ينحصر سبيل نقل المنافع بالإجارة بل جاز نقلها بكلّ من البيع والإجارة نعم إذا قلت آجرت فلا بدّ أن تقول آجرتك داري أو بستاني فإن الإجارة لا تتعلَّق بالمنافع بل تتعلَّق بالأعيان وأثرها نقل المنافع بخلاف البيع فإنّه يتعلَّق بكلّ من العين والمنفعة فالنّسبة بين البيع والإجارة عموم مطلق يعني يتعلَّق البيع بكل من العين والمنفعة وتختص الإجارة بالتعلَّق بالعين نعم خاصيّتها نقل المنفعة فالمريد نقل منفعة داره في فسحة بين أن يقول بعتك منفعة داري وبين أن يقول آجرتك داري ففي الأوّل يكون بيعا ويترتّب عليه آثار البيع وفي الثّاني يكون إجارة ويترتّب عليه أحكام الإجارة نعم اختلاف الإجارة عن البيع ليس في مجرّد العبارة بل الإجارة تنقل ربطا غير ما ينقله البيع إذا تعلَّق بالعين فإذا قلت بعتك داري أو قلت آجرتك داري أفاد كلّ من العبارتين نقل ربحك بالدار إلى الغير لكن أحد الربطين غير الآخر توضيح ذلك أنّ من ملك عينا كان له علاقتان بالعين علاقة الملكيّة لرقبة العين وعلاقة استحقاق القبض على العين لاستيفاء منافعها الَّتي هي ملكه بتبع ملك العين وكلّ من العلاقتين قد يتجرّد عن صاحبه فتكون علاقة الملكيّة لرقبة العين خالية عن صاحبتها فيما إذا ملك العين مسلوبة المنفعة وتكون بعلاقة الاستحقاق للقبض على العين والإمساك عليها لاستيفاء المنفعة فيما إذا ملك منافعها فقط فإذا اجتمع الاستحقاقان وأريد نقل ملكيّة رقبة العين تعيّن التعبير بلفظ البيع وإن أريد نقل استحقاق القبض على العين لاستيفاء منافعها تعيين التّعبير بلفظ الإجارة فالإجارة شأنها نقل ربط خاص غير ما هو شأن البيع فصح أنّ الفرق بين الإجارة والبيع معنويّ لا في مجرّد العبارة كما في الفرق بين البيع وأخواته وأمّا الفرق بين البيع والقرض مع تشاكلهما في الصورة حتّى يرى أنّ القرض هو البيع إلى أجل والبيع نسيئة فكأنّ المقرض ينشأ تبديل ماله بعوض في ذمّة المقترض إلى رأس الأجل وما هذا إلَّا البيع نسيئة فهو أنّ القرض ينحلّ إلى أمرين هبة واستيمان أمّا الهبة فبالنّسبة إلى العين فإنّ المقرض يرفع يده عن العين ويدفعها إلى المقترض مجّانا وبلا عوض وأمّا الاستيمان فبالنّسبة إلى ماليّة العين فإنه يستأمن ماليّة العين عند المقترض وفي ذمّته على أن يردّها إليه في رأس الأجل ولذا يطالب حينما يطالب بماله لا بعوض ماله فلا معاوضة في القرض بوجه وإنّما هو إعراض عن خصوصيّة العين واستيمان لماليّتها وممّا ذكرناه يسهل لك الأمر في بقيّة المعاملات فإنّها يرجع كثير منها إلى ما ذكرناه فإنّ مآل النّكاح إلى الإجارة وتسليط الغير على منفعة النّفس منفعة خاصّة وهي منفعة البضع وكذا المزارعة والمساقاة هما من جزئيّات الإجارة وقد تخصّصتا بالتعلَّق بمتعلَّق خاصّ إذا عرفت هذا فاعلم أنّ كلَّا من البيع وأخواته يتعلَّق بكلّ ما للشخص سلطنة عليه واستيلاء عليه عينا كان أو منفعة أو دينا جزئيا كان أو كليّا مالا كان أو غير مال كبيع الحرّ عمله وبيع متعلَّق حقّ الأولويّة وحقّ السبق في المساجد والمدارس فالبيع إعطاء سلطان شخص لآخر بعوض بلسان التبديل بين الأصل والعوض والصّلح إعطاء هذا السّلطان بلسان التّصالح والتسالم والهبة هو إعطاء هذا السّلطان بنفس لسان إعطاء السّلطنة لا بلسان آخر سواء كان سلطانا يعبّر عنه بالملك أو سلطانا يعتبر عنه بالحقّ أو سلطانا يعبّر عنه بالحريّة فإن أوّل سلطان للشخص هو سلطانه على نفسه وملكه لنفسه ثم سلطانه على منافع نفسه ثم سلطانه على أعمال نفسه وفي المرتبة الأخيرة هو سلطان الشخص على ما ملكه بالحيازة من الأمور الخارجيّة وهذه السّلطنة منبعثة من السّلطنة الأولى ومن مراتبها النّازلة فإنّ الشّخص بما صرف من قواه ومن استراحة نفسه وتحمّل الحرّ والبرد في سبيل تحصيل الأموال بالاصطياد والاحتطاب والاحتشاش يملك هذه الأشياء إذ هذه هي قواه وراحته الَّتي صرفها وبذلها حتّى حصّل هذه فيختصّ هو بالاستراحة بهذه الأشياء والالتذاذ بها خلافا للاشتراكيّين المنكرين للملكيّة والاختصاص وقد عرفت أنّ أمّ المملكات هي الحيازات وكلّ ما عداها من النواقل فهي تنتهي إلى الحيازات لا محالة فإن ملكنا شيئا بالشراء فقد ملكناه بحيازتنا للثمن ولو بوسائط أو ملكنا شيئا بالهبة أو بالإرث فقد ملكناه بحيازة من انتقل المال منه إلينا بما أن حيازته