الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
32
حاشية المكاسب
النظر فيها فرآها كلَّها مهملات أو منصرفات مع أنّ اتّفاقها على الإهمال في غاية البعد وأخرى يدّعى أنّ مقتضيات الأحكام التّرخيصيّة في مقام ثبوتها وتأثيرها لا تزاحم مقتضيات الأحكام والإلزاميّة وكيف تزاحم ما لا يقتضي الإلزام لضعفه ما يقتضي الإلزام بل الاقتضاء والتأثير الفعلي دائما يكون مع ما يقتضي الإلزام لقوّته والحكم في مادّة التّزاحم دائما يكون مطابق أقوى الحكمين مناطا وأقواهما مناطا هو الحكم الإلزامي ويدفعه أنّ اللازم هو الموازنة بين المناطين من أيّ المناطين كانا فربما ينحطَّ المناط الإلزامي عن مرتبته ويعود غير مؤثر في حكم إلزامي بعد أن كان مؤثرا في حكم إلزاميّ فإن مناط الاستحباب في جانب الخلاف يذهب بمقدار من مناط الإلزام فلا يبقى ما يقتضي الإلزام وكان المقدار السالم من مزاحمة مناط التحريم مقدارا لا يقتضي إلَّا الكراهة نعم إذا كان المناطان مجتمعين في جانب واحد كمناط الإيجاب والاستحباب لم تكن مزاحمة في تأثيرهما بل كان المؤثر هو مناط الحكم الإلزاميّ وغيره إمّا مؤكَّد له أو لا اقتضاء في جنبه فإن مناط الاستحباب لا يقتضي الإلزام ومناط الإيجاب يقتضيه وما لا يقتضي لا يزاحم ما يقتضي قوله قدس سره خصوصا التي يكون من مقدّماتها لا خصوصيّة لذلك إلَّا مع فرض عدم انحصار المقدّمة في الحرام ووجود مقدّمة أخرى مباحة ومعه لا يتوهم المزاحمة قوله قدس سره ويشهد بما ذكرنا من عدم تأدّي المستحبّات لم يدّع أحد عدم معقوليّة قصر المستحبّات بما لا يلزم منه الحرام وإنّما البحث في الدّليلين على الحكمين الاستحبابي والتّحريمي وأنه هل يعامل معهما معاملة المتزاحمين أو يقدم دليل التّحريم عموما والذي استشهد به لا يكون دليلا على تقديم دليل التّحريم عموما قوله قدس سره فجعل المؤمن أخا وعرضي ليس في الآية إشعار على إرادة تشبيه الموضوع بالموضوع سيّما بهذا البسط بتشبيه كلّ جزء من أجزاء المشبه بجزء من أجزاء المشبه به مع بطلان التشبيه فيما ذكره وأيّة مناسبة بين العرض واللَّحم وأيضا بين التكلَّم والأكل وكذا بين عدم الحضور والالتفات وبين الموت ليصحّ تشبيه كل بصاحبه فالأولى أن يقال إنّ التشبيه واقع بين حكميهما يعني أنّ الغيبة في اشتداد الحرمة وتأكَّد المنع كأكل لحم الأخ الميّت أو أنّ مناط المنع عنها هو مناط المنع عن أكل لحم الأخ الميّت والاشمئزاز الحاصل هناك حاصل هنا مع الالتفات بالجهات الَّتي هي عليها ولعلّ الآية تنبّه على جزاء الغيبة وأنه يؤمر المغتاب يوم القيمة بأكل لحم الأخ الميّت أو تتجسّم غيبته بصورة لحم الأخ الميّت فمن أحبّ هذا ووطَّن نفسه على ذلك الأكل فليغتب وفي بعض الأخبار أنّها إدام كلاب النّار ثم إنّ في تعليل الآية إيماء إلى أنّ الحكم إرشاد محض قوله قدس سره وقوله تعالى * ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) * الهمز واللَّمز هو العيب والتّنقيص وهو عنوان مستقلّ غير عنوان الغيبة فربما يجتمعان وربما يفترقان قوله قدس سره وقوله تعالى * ( لا يُحِبُّ ا لله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) * لا يبعد دعوى انصراف قول السوء إلى الشّتم أعني القول المنشأ به السوء دون القول الحاكي عن السّوء وسيأتي تفسيره عن الباقر ع المحكي عن مجمع البيان أنه لا يحبّ الشتم في الانتصار إلَّا من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه ممّا يجوز الانتصار به في الدين هذا مع أن عدم الحبّ أعمّ من التّحريم إلَّا أن تضمّ إليها دعوى عدم القول بالفصل قوله قدس سره * ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ ) * لا بدّ أن يحمل الحبّ على ما انتهى إلى ارتكاب المحبوب ولو بإعمال مقدماته دون الحبّ السّاذج وظاهر الآية أجنبيّ عن الغيبة راجع إلى حبّ شيوع نفس الفاحشة بين المؤمنين وارتكابهم للمنكرات وانحطاطهم بذلك عن أعين النّاس لا شيوع العلم بها بإعلام النّاس بذلك وذلك لنسبة الشّيوع فيها إلى نفس الفاحشة وأيضا ظاهر الظرف التعلَّق بالفعل المذكور في الكلام أعني تشيع فلو أريد شيوع العلم بمعنى الغيبة لا بدّ أن يجعل متعلَّقا بمقدر محذوف هو صفة للفاحشة وذلك لعدم اختصاص حرمة الغيبة بأن يكون عند المؤمنين نعم المحرّم هو غيبة المؤمنين لكن سيجيء في الرّوايات ما يدلّ على شمول الآية للغيبة فلا إشكال على ذلك في التّمسك بها وبهذه الآية مضافا إلى آية الهمز واللمز بناء على إرادة الغيبة منها يمكن التّمسك على أنّ الغيبة من الكبائر قوله قدس سره وإنّ الرّجل يزني فيتوب الظاهر أنّ هذا بيان لأشدّيتها فلا يكون دليلا على الأشدّية في الحكم ليكون دليلا على أنّها من الكبائر بل هو نظير ما دلّ على أشدّية المني من البول في جهة احتياج تطهيره إلى الدّلك مع كون البول أشدّ منه في النّجاسة قوله قدس سره وإنّ أربى الربا عرض الرّجل هذا أجنبي عن الغيبة لظهوره في تعرّض عرض المؤمن وهتك عرضه خارجا لا التكلَّم بعيوبه قوله قدس سره لم يقبل اللَّه صلواته ولا صيامه عدم قبول الصّلاة والصيام لا يدلّ على حرمة الغيبة قوله قدس سره كذب من زعم أنّه ولد من حلال لعلّ المقصود أن المغتاب بالكسر في نطفته قد شرك الشّيطان أو إن نطفته انعقدت من لقمة حرام أو أن ولد الحلال لا يبقى تحت وزر الغيبة بل تحصل له البراءة منها أو غير ذلك ممّا يخرج عن ظاهره الَّذي لا يمكن الالتزام به قوله قدس سره وأكل الحسنات إمّا أن يكون على وجه الإحباط التّعبير بالأكل الَّذي هو بإفناء صورة الغذاء يناسب الإحباط خاصّة وأمّا اضمحلال الثواب في جنب العقاب أو نقل الحسنات فلا يناسب شيء منهما للتّعبير بالأكل قوله قدس سره من الوسوسة في عدّها من الكبائر لعلّ الوسوسة من جهة عدم تماميّة دلالة الآيتين المتضمّنتين للوعيد بالعقاب على حكم الغيبة والرواية الدالَّة على أنّها أشدّ من الزّنا قد عرفت ما فيها لكن تقدّم أن آية إشاعة الفاحشة قد فسرت بما تشمل الغيبة قوله قدس سره ثم إنّ ظاهر الأخبار اختصاص ليس في شيء من الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن نعم مورد بعض الأخبار كمورد بعض الآيات ذلك لكن ذلك لا يمنع من الأخذ بالبعض الآخر العام لعدم التّنافي بينهما مع أنّ ظهور المؤمن في المؤمن باصطلاحنا أعني الإماميّ الاثنا عشري غير معلوم بل الظَّاهر إرادة المؤمن بمعنى من دخل الإيمان في قلبه مقابل المسلم المقرّ بالشّهادتين باللسان كما في الآية بل حمل الآية على المؤمن باصطلاحنا في غاية البعد لحدوث والانقسام بعد عصر نزول الآية وأمّا ما استند إليه المصنّف ره في منع التّمسك بعموم بعض الآيات والرّوايات بأنّه علم بضرورة المذهب عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم إلَّا في أحكام معدودة فيدفعه أنه لم يثبت كون تمام مناط حرمة الغيبة هو الاحترام فلعلّ نفس حفظ اللَّسان من التعرّض لإعراض النّاس مطلوب وفي التّعرض خفّة ومهانة وذهاب بها وانحطاط قدر للمتعرّض في أعين الناس كما هو المشاهد بالوجدان ولعلّ قوله تعالى * ( لا يُحِبُّ ا لله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) * يشير إلى هذا وعليه فدلالة الدليل على عدم احترام المخالف لا يقتضي جواز غيبته كما لا يقتضيه جواز ارتكاب سائر المحرمات من أكل لحمه وهتك عرضه بل الغيبة من مصاديق هتك العرض كما يستفاد من بعض الأخبار فالأولى أن يستدل لجواز غيبة المخالف بالأخبار المفسّرة لها بذكر الأخ وفي الآية أيضا إشارة إلى ذلك والمخالف ليس أخا قوله قدس سره بناء على عدّ أطفالهم منهم تغليبا إن عدّ أطفالهم منهم شملهم خطاب لا تغتب وإن أخرجوا عن هذا الخطاب كما هو المتعين خرجوا عن حرمة اغتيابهم أيضا لأنّ المراد من البعض في المقامين واحد فإمّا أن يراد منهما ما يعمّ الأطفال أو يراد منهما ما يخصّ بغير الأطفال والتّفكيك بحمل البعض الأوّل على المكلَّفين والبعض الثّاني على ما يعمّ الأطفال خلاف الظاهر قوله قده مطلقا أو في الجملة صدق المؤمن مطلقا ممنوع نعم هو مؤمن مع الاعتقاد بالعقائد الحقّة كما أنه شاعر عالم مجتهد إلى غير ذلك من مفاهيم المشتقات مع وجود مباديها فيه نعم دعوى انصراف الآيات والأخبار إلى البالغين غير بعيدة بل آية حبّ شياع الفاحشة