الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
26
حاشية المكاسب
الرّشوة فإنّها لا تزيد على تعليق الحكم على الرّشوة بلا تعرّض للموضوع نعم في صحيحة عمّار إنّ الرشا تكون في الأحكام بلا تعرّض أيضا للرشا في الأحكام وأنّه هل هو يبدل المال على مطلق الحكم أو بقيد البطلان وأمّا رواية يوسف بن جابر واللَّعن فيها على رجل احتاج النّاس إليه لفقهه فسألهم الرّشوة فلا دلالة فيها على موضوع الرّشوة وأنّه هل هو مطلق ما يدفع لبذل الفقه قضاء كان أو إفتاء أو تدريسا أو مذاكرة أو أوسع من بذل الفقه فيشمل ما دفع لأجل تصدّي ما هو من وظائف الفقيه كتوليّ الأوقات العامّة وحفظ مال الصّغير والغائب لصدق الاحتياج إليه لفقهه على أن يكون الفقه واسطة في الثبوت وفي الاحتياج إلى شخصه فيما هو من وظائف الفقيه أو هو خصوص ما يدفع بإزاء القضاوة أو خصوص ما كان بإزاء الحكم بالباطل وعموم الصدر لا يكون قرينة على عموم المراد من لفظ الرّشوة إذا كان مدلولها خاصّا فملعون ذاك الرّجل الذي احتاج النّاس إليه لفقهه ثمّ طلب منهم الرّشوة على أن يحكم بينهم بالباطل فالرشوة في الرّواية أريد منها معناها وقد عرفت أن معناها هو العوض في مقابل الحكم بالباطل أو لا أقل أنّ هذا هو المتيقّن من معناها فيرجع في غيره إلى أصالة البراءة ومنه أخذ العوض على الحكم بالحقّ ما لم يجب الحكم عينا وإلَّا جاء إشكال أخذ الأجرة على الواجبات وسيجئ البحث عنه قوله قدس سره هو ظاهر تفسير الرشوة في القاموس مجموع محتملات معنى الرشوة خمسة مطلق الجعل المندرج فيه أجرة الأجراء والجعل على القضاء وتصدّي فصل الخصومة والجعل على الحكم بالواقع لنفسه كان أو لغيره والجعل على الحكم لنفسه حقا كان أو باطلا والجعل على الحكم بالباطل والأوّل ممّا ينبغي القطع ببطلانه وإن وقع تفسيره به في كلمات بعض اللَّغويين فإنه للإشارة إلى المعنى في الجملة كما في سعدانة نبت والمتيقّن من بين بقيّة المعاني إن لم يكن هو الظاهر هو الأخير وعلى كلّ حال فدفع المال لأجل أن لا يقبل القاضي الرشوة من المبطل ثم يحكم هو على طبق الواقع بمقتضى طبعه ليس من الرّشوة قوله قدس سره ويمكن حمل رواية يوسف بن جابر قد عرفت أنّ الرّواية لا تفيد أزيد من حرمة أخذ الرّشوة وقد عرفت أنّ المتيقّن من مدلول الرشوة هو المال المبذول في قبال الحكم بالباطل قوله قدس سره ومنه يظهر حرمة أخذ الحاكم للجعل من المتحاكمين هذه ثانية المسائل التي تعرّضها المصنّف ره في المقام وموضوع هذه المسألة أخذ الأجرة على القضاء وتصدّي أمر المرافعة والأقوال فيها على نقل المصنّف ثلاثة المنع مطلقا وهو المشهور والجواز مطلقا نقله عن المقنعة والقاضي والتّفصيل بين حاجة القاضي وعدم وجوب القضاء عليه عينا وعدمه فيجوز في الأوّل دون غيره عزاه إلى المختلف أقول أمّا صورة التعيّن فينبغي خروجها عن محلّ النزاع فإنّها تدخل تحت بحث أخذ الأجرة على الواجبات وأمّا غير هذه الصورة فالحق فيها هو الجواز عملا بعمومات المعاملات مؤيدة برواية ابن حمران بناء على كون الحصر فيها حقيقيّا ولكنّه ممنوع وأمّا ما استدلّ به للمشهور من رواية يوسف وصحيحتي عمّار وابن سنان فقد عرفت الجواب عن الأولى وأنّها مختصّة بالرّشوة وأمّا الصحيحتان فمنصرفهما قضاة العامّة المنصوبون من قبل سلاطين الجور ومعلوم حرمة أجورهم لعدم لياقتهم للقضاوة بفقدان الإيمان والعلم والعدالة مضافا إلى انخراطهم في أعوان الظلمة وأمّا تفصيل المختلف فلا وجه له ودعوى المصنّف اختصاص أدلَّة المنع بصورة غناء القاضي غير مسموعة وقد عرفت أن مقتضى العمومات هو الجواز مطلقا نعم هنا اشتباه فيما يقابل بالمال في الأجرة على القضاء وأنّه هل هو الحكم فيدخل في الرّشوة بناء على أنّها مطلق الأجر على الحكم حقا كان أو باطلا أو هو مقدمات الحكم فالمقدمات في ذاتها غير مطلوبة ولذا لو نظر ثم أبى عن الحكم لم يستحق شيئا أو هو مجموع الأمرين فيتّجه عليه مجموع الجوابين أو هو تقلَّد منصب القضاوة والتهيّؤ لحسم المرافعات بالجلوس في الموضع المعدّ لذلك ورفع المانع عن الوصول إليه سواء رفعت إليه خصومة أو لا فتقلَّد المنصب أمر اعتباري ليس عملا يستحقّ عليه الأجر وكون الأجر بإزاء الجلوس في مكان كذا ورفع المانع والحاجب عنه يلزمه استحقاق الأجرة بذلك وإن امتنع عن فصل الخصومة إلَّا أن يكون تصدّيه لفصل الخصومة شرطا في المعاملة قوله قدس سره كما يدلّ عليه قوله احتاج النّاس إليه لفقهه الاحتياج إليه لفقهه أعمّ من أن تكون الحاجة متعلَّقة بشخصه أو بنوع الفقيه الذي من جملته هو ولذا ذهب المشهور إلى المنع مطلقا قوله قدس سره ولإطلاق ما تقدم في رواية عمّار بن مروان قد عرفت أنّ منصرف القضاة في روايتي عمّار وابن سنان هو قضاة العامّة وعلى ذلك قرينة في رواية ابن سنان بل ولولا الانصراف أيضا تعيّن حملهما على ذلك بقرينة رواية حمزة بن حمران قوله قدس سره كما يظهر بالتأمّل لم يظهر لنا ذلك كلَّما تأمّلنا قوله قدس سره وأمّا الارتزاق من بيت المال المال في الارتزاق يعطى بإزاء تقلَّد المنصب وتفريغ الوسع لمراجعات النّاس ورفع خصوماتهم سواء رجع إليه أحد أو لم يرجع بخلاف الأجرة على القضاء قوله قدس سره وأمّا الهديّة وهي ما يبذله على وجه الهبة الهديّة تارة تكون قبل الحكم وأخرى بعد الحكم وعلى كلّ منهما تارة تكون لأجل الرّوابط الشخصيّة أو قربة إلى اللَّه تعالى أو لأجل تصدّي قضاء بعض حوائجه الخارجيّة أو لأجل تصدّي أمر القضاء وفصل الخصومة أو لأجل الحكم بالحقّ أو لأجل الحكم بالباطل أو لأجل الحكم بالأعمّ من الحقّ والباطل والظَّاهر جواز الكلّ بدليل صحّة الهبة حتّى ما كان لأجل الحكم بالباطل إذا كانت الهبة بعد الحكم بالباطل جزاء للحكم فإنّ الحرام صار داعيا حينئذ على الهبة لا مقابلا بالمال لكن على مبنى المصنّف في بعض المباحث المتقدّمة تبطل لأنه معدود عنده في الأكل بالباطل وقد تقدّم الجواب عنه وأمّا إذا كانت الهبة قبل الحكم بالباطل لأجل أن تكون داعيا على الحكم فمقتضى العمومات أيضا صحّتها لا سيّما إذا كانت الحاجة إلى حكمه غير فعليّة وإنّما يهب لاحتمال أن يحتاج إلى حكمه فيراعى جانبه حينئذ والذي يقضي بالمنع عنها وجوه كلَّها قاصرة عن إفادة المقصود الأوّل قوله تعالى * ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) * بتقريب أنّ المال وإن لم يقابل في صورة المعاملة بشيء لكن في لبّها قوبل بالداعي الذي دعا إلى بذله وهو حرام فكأن أكل المال أكلا بالباطل وبهذا التقريب يقرب بطلان المعاملة على الجارية المغنية بداعي غنائها وقد تقدّم الجواب عنه مرارا وحاصله أولا منع صدق الأكل بالباطل على ما بذل الداعي ارتكاب الحرام وثانيا الباء في الآية للسببيّة لا للمقابلة فيكون مفاد الآية حرمة الأكل بالأسباب الباطلة الغير المؤثرة في النقل فكأنّ الآية للإرشاد وبطلان السّبب في المقام غير معلوم ولو كان معلوما لم يحتج إلى الاستدلال بالآية الثاني ما دلّ على حرمة الرّشوة بناء على شموله للمقام حسب بعض التّفاسير المتقدّمة لها من اللَّغويّين بل يشمله تفسير المجمع الَّذي هو أخصّ التّفاسير ويدفعه منع المبنى وأنّ المتيقّن من الرّشوة ما كان بإزاء الحكم بالباطل لا ما كان بداعيه ورواية أصبغ صريحة في مغايرتهما الثالث عموم مناط حرمة الرّشوة وشموله للمقام وفيه عدم القطع بالمناط وإلَّا حرم طرح الألفة مع القاضي لأجل هذا الدّاعي الرابع الأخبار الخاصّة الَّتي استدلّ بها المصنّف ره والجواب عن الخبر الأوّل أن مورده هدايا الولاة وهي غير هدايا القضاة ولعلّ الوجه في حرمتها هو أنّها تكون عن كره وخوفا من ظلمه وجوره وعن الخبر الثّاني بمثل ذلك مضافا إلى احتمال أن إضافة الهدايا إلى العمال من قبيل الإضافة إلى الفاعل دون المفعول فتكون إشارة إلى جوائز السّلطان والعمّال التي سيجيء البحث عنها وعن الخبر الثالث أنّه ظاهر في الهدية المتأخرة