الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

17

حاشية المكاسب

على كلّ حال وذلك أنّ النّهي عن الطَّبيعة ينحلّ إلى نواهي متعدّدة حسب تعدّد أفراد تلك الطَّبيعة على سبيل العموم الاستغراقي فكان كلّ فرد تحت نهي مستقلّ ولذا يعاقب بارتكاب كلّ فرد بعقاب مستقلّ وإن ترك سائر ما عداه من الأفراد وعلى هذا فترك بيع فرد من العنب دفع التخمير هذا الفرد وإن علم أن عنبا آخر يباع ويخمّر لو لم يبع هو هذا فإذا تراكمت التروك بترك هذا للبيع وترك ذاك له وهكذا حصل ترك التخمير رأسا وكان كلّ ترك مقدّمة لترك فرد من الحرام لا أن مجموع التّروك يكون مقدمة لترك حرام واحد حتى لا يجب على المكلَّف ترك بيع ما عنده من العنب مع عدم العلم بترك سائر أرباب العنب للبيع أو العلم بعدم تركهم فليس المقام من قبيل رفع الحجر الثقيل كيلا يجب الإقدام مع عدم إقدام آخرين بل يجب على كلّ مكلَّف ترك البيع دفعا لمنكر يحصل ببيعه سواء ترك المنكر رأسا بترك آخرين أو لا اللَّهم إلَّا أن يقال إنّ المكلف كما يتمكَّن من دفع المنكر الحاصل بفعله كذلك يتمكَّن من دفع المنكر الحاصل بأفعال غيره والأوّل يحصل بتركه للبيع والثّاني يحصل بإقدامه على البيع فإنّه إذا أقدم هو لم يشتر من غيره فكان كلّ من البيع وترك البيع دفعا لفرد من المنكر وعليه فلا وجه لتعيّن ترك البيع بل جاز كل من البيع وترك البيع فإنّ الحرام لا محالة حاصل بل يمكن أن يقال إنّ الواجب دفع طبيعة المنكر وهو ليس من وسع المكلَّف لفرض حصول الطَّبيعة لا محالة ولا دليل على وجوب دفع فرد يحصل بفعله فغاية ما يستفاد من أدلَّة النّهي عن المنكر وجوب حفظ وعاء الخارج من المنكر وهو غير مقدور بالفرض فيسقط تكليفه نعم مع القدرة على الحفظ المذكور بأن يترك هو البيع ويمنع سائر أرباب العنب من البيع أو يشتري منهم أعنابهم كي لا يبيعوه ممّن يعمله خمرا وجب عليه ذلك قوله قدس سره بحيث يراد منهم الإجماع هذا على ضربين فتارة يراد الإجماع على سبيل الواجب المطلق فيجب على كلّ أحد تحصيل هذا الإجماع بإقدامه بنفسه وبعث آخرين على الإقدام أو إجبارهم عليه إن تمكَّن وأخرى يراد الإجماع على سبيل الواجب المشروط بأن يكون الواجب على كلّ واحد الإقدام على العمل عند موافقة البقيّة وبشرط موافقتهم لا عند عدم موافقتهم فإذا انتفت الموافقة انتفى التّكليف فكان تكليف كل منتفيا بعدم موافقة آخرين ثم المراد من الإقدام هي الحالة الباعثة على العمل بحيث لو كلَّف لأطاع لا الإطاعة الفعليّة ليلزم الدور بسبب تعليق تكليف كلّ بإطاعة البقيّة ولا محذور في تعليق تكليف كلّ على وجود هذه الحالة في آخرين قوله قدس سره كما إذا انحصر العنب عنده أو وافقه سائر أرباب العنب في ترك البيع فكان تركه جزءا متمّما لترك البيع المطلق الموجب لترك الحرام قوله قدس سره فإن علم أو ظنّ أو احتمل أفاد سابقا أن الاستدلال المذكور إنّما يحسن مع علم البائع بأنه لو لم يبعه لم تحصل المعصية وأفاد بهذه العبارة عدم حرمة البيع إلَّا في صورة العلم بتحقّق ترك الحرام بتركه والقاعدة تقتضي ما أفاده هناك لا الَّذي أفاده هنا لأنّ الشّبهة موضوعيّة والشّك حاصل في أن ترك البيع دفع للمنكر ليكون فعله حراما أو لا والمرجع أصالة الحلّ وكأنّه بهذه العبارة أراد الحكم بكفاية احتمال التأثير في وجوب النّهي عن المنكر وقد فرض إلحاق الدفع بالرّفع قوله قدس سره وهذا لا إشكال في عدم حرمته دليل وجوب دفع المنكر لا قصور في شموله لهذا قوله قدس سره وهذا أيضا لا إشكال في عدم حرمته إن قلنا بوجوب دفع المنكر إلحاقا له بالنّهي عن المنكر شمل هذا أيضا وكذا شمله دليل حرمة الإعانة على الإثم لكن تقدّم من المصنّف رحمه الله عدم قيام الدّليل على وجوب تعجيز من يعلم أنه سيهم بالمعصية كما تقدم منه اعتبار القصد في صدق الإعانة قوله قدس سره بل يعلم عادة أو يظنّ أو يحتمل فإنّ ترك البيع مع هذا الاحتمال لا يعلم أنه دفع للمنكر والمرجع أصالة الحلّ هذا على مذاق المصنّف وقد تقدّم أن ترك البيع دفع لفرد من المنكر وإن علم أنّ المنكر لا يترك بل يوجد فرد آخر منه فضلا عمّا احتمل إلَّا أن يمنع وجوب دفع فرد من المنكر بعد العلم بأنّ طبيعة المنكر لا محالة تحصل ولو في ضمن فرد آخر قوله قدس سره لكن في الدّلالة تأمّل يعني في الدلالة على الفساد بل أقول وكذا في الدّلالة على التحريم إذ ظاهر هذه الفقرة حرمة بيع ما يوجب وهن الديانة الإسلاميّة وتقوية المذاهب الفاسدة لأنّ منصرف الحقّ والباطل في المقام ذلك لا ما يعمّ الفروع وكذا قوله وكلّ منهيّ يتقرّب به لغير اللَّه وأمّا قوله فكل أمر يكون فيه الفساد فلا يشمل ما كان مشتملا على منفعتين محلَّلة ومحرّمة كالعنب والخشب وإلَّا لزم تخصيص الأكثر بإخراج صور عدم قصد الحرام قوله قدس سره إذ لا يدخل ذلك تحت الإعانة بل يدخل لما عرفت أنّ عنوان الإعانة عنوان واقعيّ لا يدور مدار القصد نعم جاهله معذور كالجاهل بسائر الموضوعات المحرّمة ولعلّ الشارع اعتبر قيام الحرب أمارة للصرف في الحرام موجبة للخروج عن الأصالة فيتعدّى إلى كلّ مورد قام فيه مثل هذه الأمارة كبيع العنب للخمار أو أنه أوجب الاحتياط في خصوص المقام لأهميّة بل لا يبعد أن يقال إن نفس تمكين الكفار من السّلاح تقوية وإثبات سبيل لهم على المسلمين وإعلاء لكلمتهم وإن لم يصرفوه في حرب المسلمين فيشمله قوله ع أو يقوى به الكفر والشّرك في جميع وجوه المعاصي أو تاب يوهن به الحقّ ويشمله قوله تعالى * ( ولَنْ يَجْعَلَ ا لله لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) * ويشمله الإسلام يعلو ولا يعلى عليه إلَّا أن يناقش في الأخيرين بأنّهما ناظران إلى مقام التكوين وأنّ ذلك لا يكون ويتّفق لهم ولو في دار الآخرة أو لا يكون لهم الغلبة في الاحتجاج وتفصيل هذا يطلب من مسألة بيع العبد المسلم من الكافر وأمّا الأخبار الخاصّة الواردة في الباب فهي بين طائفتين طائفة مطلقة وأخرى مفصّلة بين حال قيام الحرب وحال الهدنة ولا تعارض بين الطَّائفتين ليحمل مطلقهما على مقيّدهما فإنّ المطلقات واردة في البيع من أهل الحرب والمشركين والمقيّدات في البيع من سلاطين الإسلام ولا إجماع على عدم الفصل فإنّ في المسألة أقوالا مختلفة من جملتها القول بالتّفصيل عملا بكلّ من طائفتي الأخبار في موردها وأمّا مكاتبة الصّيقل أشتري السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها فكتب لا بأس فهي ليست مطلقة في الجواز من حيث السلطان ومن حيث قيام الحرب وعدمه بل منصرفها سلاطين الجور الَّذين كانوا في زمان الأئمّة ويومئذ كانت الهدنة بينهم وبين أهل الحقّ قوله قدس سره أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللَّه ص يعني من الأصحاب النّفر اليسير الَّذين كانوا مع أمير المؤمنين بعد وفاة رسول اللَّه ص قوله قدس سره شبه الاجتهاد في مقابل النّص قد عرفت اختصاص نصوص التّقييد بسلطان الإسلام كاختصاص المطلقات بسلاطين الكفر وإطلاق الشّهيد أيضا مختصّ بالكافر كما يظهر من تعليله فما اختاره هو الحقّ المطابق لما اخترناه وأدلَّته بعينها أدلَّتنا قوله قدس سره ثم إنّ ظاهر الروايات شمول الحكم قد عرفت أن بيع السّلاح في ذاته تقوية للكافر وإثبات للسّبيل له وإعلاء لكلمته فلا حاجة في الحرمة إلى قصد مساعدته فيحرم حتى مع العلم بعدم ترتّب محرّم آخر عليه فضلا عمّا إذا شكّ فيكون الإطلاق مطابقا للقاعدة نعم الإطلاق في أخبار البيع من سلطان الإسلام يكون لمجرّد التّعبد واعتبار قيام الحرب إمّا من باب أنّه أمارة للصرف في القتال أو أن الشّارع أوجب الاحتياط في هذه الصورة ولو مع عدم الظَّن بصرفهم له في قتال أهل الحق نعم الظاهر خروج صورة العلم بعدم الصرف بل وكذا الظَّن بعدمه عن منصرف الأخبار قوله قدس سره وعموم رواية تحف العقول المتقدمة غير معلوم صدق باب