الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
10
حاشية المكاسب
الشبهة مظنونة التّكليف لأنّها تكون حينئذ مظنونة المفسدة قوله قدّس سره فتأمّل لعلَّه إشارة إلى عدم دوران العيب مدار صدور الفعل قبيحا وإنّما مداره على كون النّجاسة خباثة واقعيّة أثّرت في التّكليف لا أنّها أمر اعتباري انتزع من تعلَّق التّكليف بوجوب الاجتناب قوله قدّس سره لكن لو سلَّم الانجبار لو سلَّم الانجبار لم يبق مجال للمناقشة لتقدم التّقييد على سائر أنواع التصرفات ولم تشتمل مطلقات المقام على تخصيصة تمنعها عن قبول التّقييد بل لو عاينت بعض أخبار الباب بعين الإنصاف أنكرت إطلاقها انظر إلى قوله ع في رواية الأعرج وأمّا الزّيت فلا تبعه إلَّا أن تبين له فيبتاع للسّراج وأمّا الأكل فلا فإنّها في مقام بيان المصرف وأنّه الإسراج دون الأكل وأمّا أن كيفيّة الإسراج ما هي فلا تعرّض فيها قوله قدّس سره ولو رجع إلى أصالة البراءة يعني بعد إباء المطلقات عن التّقييد وحجيّة المرسلة بالانجبار بالشهرة تكون المعارضة بين المطلقات والمرسلة على وجه التباين وشهرة الرّواية مع المطلقات ومع فرض التكافؤ فالحكم هو التّخيير ولو فرض التّساقط فالمرجع أصالة البراءة عن حرمة الإسراج تحت الظَّلال بل واستصحاب جواز الإسراج المذكور بناء على عدم ثبوت المنع عن الانتفاع بالمتنجس عموما وإلَّا كان المرجع هذا العموم قوله قدّس سره فمنها قوله تعالى * ( إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ والأَنْصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوه ) * الاستدلال بالآية على المقصود يتوقّف على مقدمات الأولى استفادة العلية منها لمكان الفاء التّفريعيّة الثانية كون العلَّة التامّة هي عنوان الرجسيّة مع كون الرّجس هو النّجس بالمعنى الشّامل للمتنجّس أو كون الرّجس يعمّ النّجس بالعموم المطلق لا العموم من وجه حتى يكون بعض أفراد النّجس فضلا عن المتنجّس خارجا عن صدق اسم الرّجس الثالثة كون الحكم المعلَّل هو وجوب الاجتناب المطلق الشامل للانتفاعات المقصودة وغير المقصودة وكلّ واحدة من المقدمات منظور فيها أمّا المقدّمة الأولى فظهور الفاء في التفريع وإن كان ممّا لا ينكر إلَّا أن أفراد الضمير في قوله فاجتنبوه يمنعه لعود الضّمير حينئذ إلى مجموع ما عدّد في الصّدر ومعه كان اللَّازم الإتيان بضمير الجمع ولو قيل بعوده إلى الرّجس تصحيحا لأفراده خرج الفاء عن كونه للتفريع وأمّا المقدّمة الثانية فيردّ الجزء الأوّل منها بأنّ كون الرّجس علَّة تامّة لوجوب الاجتناب غير ثابت لما ذكره المصنّف من أن عمل الشّيطان قيد له فتكون العلَّة مجموع الأمرين ويتوقّف الاستدلال بالآية على ثبوت أن كلّ متنجّس رجس من عمل الشّيطان وهذا أوّل الدّعوى إن أريد من عمل الشّيطان ما يصدر بإغوائه فإنّ هذا متوقّف على ثبوت كون الانتفاع بالمتنجّس ممّا نهى عنه الشّارع حتى يكون معصيته صادرة بإغوائه وإن أريد من عمل الشيطان ما كان من مبتدعاته ومخترعاته الَّتي ألقاها إلى بني آدم فالأمر أوضح فإنّ النجاسات ليست من ذلك فضلا عن المتنجسات ويمكن أن يقال إن كلَّا من الرّجس والكون من عمل الشّيطان علة تامّة مستقلَّة لوجوب الاجتناب فكانت العبارة منحلَّة إلى صورة قياسين حدّ الوسط في أحدهما الرّجس وفي الآخر من عمل الشّيطان بل هذا هو المتعيّن بعد ملاحظة أن الكون من عمل الشّيطان علة تامّة مستقلة على كلّ حال إن كان رجسا أو لم يكن فليكن الرّجس كذلك ويحتمل أن تكون الآية على طريقة اللَّف والنّشر المرتبين فكان الرّجس محمولا على الخمر وعمل الشّيطان محمولا على البقيّة ويدفع الجزء الثّاني منها عدم ثبوت ترادف الرّجس مع النّجس بالمعنى المقابل للمتنجّس فضلا عمّا يعمّه ويشمله بل الثّابت من نفس الآية عدمه حيث وقع خبرا للمذكورات التي منها الميسر والأنصاب والأزلام وقال تعالى * ( ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) * وأيضا لم يثبت العموم والخصوص المطلق حتى يكون كلّ نجس رجسا وقد فسّر الرّجس في اللَّغة بالقذر والعقاب والغضب والظَّاهر أنّ المراد من القذر العرفي دون الشرعيّ فلا يشمل الكلب والكافر والخنزير وكثيرا من النّجاسات فضلا عن المتنجسات وأمّا المقدمة الثّالثة فيدفعها ظهور فاجتنبوه في عدم الانتفاع بها بالمنافع الظَّاهرة المقصودة الَّتي في كلّ شيء تكون بحسبه ففي الخمر الشرب وفي الميسر والأنصاب والأزلام اللَّعب وهكذا دون مثل سدّ السّاقية بالميتة وعلى الأجرب والسّفن بالدّهن المتنجّس نعم تشمل جميع المنافع الظَّاهرة حتى غير المشروطة منها بالطَّهارة كاتّخاذ النّعل من جلد الميتة واتّخاذ الحبل من شعر الخنزير فيكون مفاد الآية أوسع من الاستعمال فيما يشترط بالطَّهارة وأضيق من مطلق الانتفاع قوله قدّس سره فإنّ أكثر المتنجّسات لا يجب الاجتناب منه بل جميع المتنجسات لا يجب الاجتناب عنها مع اليبوسة وجملة منها لا يجب حتّى مع الرّطوبة لكن يردّه أن مجرّد هذا لا يوجب حصول تخصيص الأكثر لعدم اختصاص اللَّفظ بالمتنجّس بل يشمله والنّجاسات العينيّة ثم شموله للأعيان المتنجّسة ليس بعناوينها الأوليّة كي تكثر أفراد الخارج بل بعنوان ملاقي النجس وهذا واحد وباقي عناوين النّجاسات عشر فليخرج معظم أفراد هذا الواحد فإنه لا يزيد على خروجه رأسا غير الضّار بالأخذ بالبقيّة قوله قدّس سره فالمعنى أنّ الانتفاع بهذه المذكورات رجس بل المعنى أنّ نفس هذه المذكورات رجس ونفسها من عمل الشيطان وقد أطلق العمل على ما وقع عليه العمل لا أنّ الرّجس أطلق على العمل فإني لا أرى له صحة مع أنّه يحتاج إلى تقدير العمل في صدر الآية ليكون مبتدأ قوله قدّس سره إلَّا إذا ثبت كون الاستعمال رجسا حق المقام أن يقال إلَّا إذا ثبت كون الاستعمال رجسا من عمل الشّيطان فلعلّ القيد ساقط من العبارة قوله قدّس سره بناء على أنّ الرجز هو الرّجس مع كون الرّجس هو النّجس ولو بالعرض أو ما يعمّه وغيره وفي المجمع الرّجس بكسر الراء وضمّها إمّا العذاب وإمّا النّجاسة وإمّا الأوثان وغير بعيد أن يكون الرّجز مطلق ما يكره بل هذا محتمل في الرّجس أيضا فيكون كلّ ما ذكر معنى له من أفراد معناه والمعنى هو القدر الجامع المنطبق عليها وعلى غيرها قال اللَّه تعالى * ( يُرِيدُ ا لله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * وقال تعالى * ( ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) * وقال تعالى * ( فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) * وبالجملة كلمة الرّجز أشدّ تشابها من كلمة الرّجس فالآية من هذه الجهة أضعف دلالة من الآية السّابقة وإن كانت أقوى من جهة أخرى وهي قوّة شمول مادّة الهجر لجميع أنواع الانتفاعات دون خصوص الشّائعة منها قوله قدّس سره بقرينة مقابلة بحليّة الطيّبات ليس حال القرينة إلَّا كحال ذيها فالإتيان في حدّ سواء في ما يقدّر عموما وخصوصا ولا شاهد على تقدير خصوص الأكل في آية حلّ الطَّيبات قوله قدّس سره لكنّه ليس وجها من وجوه النّجس في مقابل يعني أنّ الوجوه ليس هو مطلق العناوين كما أفاده أولا حتى يقال إنّ من جملة العناوين عنوان الملاقي للنجس بل العناوين التي بعضها في عرض بعض وليس عنوان الملاقي للنجس عنوانا في عرض بقيّة العناوين بل هو في طولها فإنّه تعرضه النجاسة بعنوان أنه ملاقي لبقيّة العناوين ويمكن الجواب عن الاستدلال برواية التحف بوجه آخر وهو أنّ التعليل فيها بعد تعداد العناوين المذكورة فيها بقوله لأنّ ذلك كلَّه منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلَّب فيه لا يراد به أن كل واحد واحد من المذكورات الَّتي من جملتها شيء من وجوه النّجس يحرم جميع ذلك فيه وأيّ معنى لحرمة شرب الخنزير ولبس الخمر بل المعنى في كلّ ما هو يناسبه فيبطل الاستدلال قوله قدّس سره مع ما عرفت من لزوم تخصيص الأكثر قد عرفت عدم لزومه قوله قدّس سره وفيه أنّ طرحها كناية بل طرحها طرح حقيقي