النووي

107

المجموع

والصواب أن ذلك جار في سائر الألفاظ صريحها وكنايتها . ولا فرق بين ألفاظ العتق والطلاق ، فلو قال غلامي غلام حر لا يأتي الفواحش ، أو أمتي حرة لا تبغى الفجور ولم يخطر بباله العتق ولا نواه لم يعتق بذلك قطعا ، وكذلك لو كان معه امرأته في طريق فقيل له أين امرأتك ؟ فقال فارقتها أو سرح شعرها وقال سرحتها ولم يردها طلاقها لم تطلق . وكذا إذا ضربها الطلق وقال لغيره اخبارا عنها بذلك أنها طالق لم تطلق بذلك . وكذلك إذا كانت المرأة في وثاق فأطلقت منه فقال لها : أنت طالق وأراد من الوثاق . هذا كله مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصور وبعضها نظير ما نص عليه ولا يقع به الطلاق حتى ينويه ويأتي بلفظ دال عليه ، فلو تفرد أحد الامرين عن الآخر لم يقع الطلاق ولا العتاق ، وتقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية ، وإن كان تقسيما صحيحا في أصل الوضع ، لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة فليس حكما ثابتا للفظ لذاته ، قرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان ، والواقع شاهد بذلك ، فهذا لفظ السراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحا ولا كناية فلا يسوغ أن يقال : إن من تكلم به لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ينوه ويدعى أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال ، فإن هذه دعوة باطلة شرعا واستعمالا . أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة . وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) فهذا السراح غير الطلاق قطعا . وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق كقوله تعالى ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن - إلى قوله - فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف " فالامساك هنا الرجعة والمفارقة ترك الرجعة لا انشاء طلقه ثانيه . هذا مما لا خلاف فيه البتة : فلا يجوز أن يقال : إن من تكلم به طلقت زوجته ، فهم معناه أو لم يفهم ، وكلاهما في البطلان سواء وقال في البيان : ان قال له رجل : أخليت امرأتك أو أبنتها ؟ وما أشبه ذلك