النووي

329

المجموع

وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ولا نعلم فيه خلافا ، ولان مالا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي كالوقف على غير معين . فان قيل : فقد قلتم إن أهل الكتاب إذا عقدوا عقودا فاسدة وتقابضوا ثم أسلموا وترافعوا إلينا لم ننقض ما فعلوه ، فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه على كنائسهم ؟ قلنا الوقف ليس بعقد معاوضة ، وإنما هو إزالة للملك في الموقوف على وجه القربة ، فإذا لم يقع صحيحا لم يزل الملك فيبقى بحاله كالعتق ، وقد أفتى أحمد رضي الله عنه في نصراني أشهد في وصيته أن غلامه فلانا يخدم البيعة خمس سنين ثم هو حر ، ثم مات مولاه وخدم سنة ثم أسلم ما عليه ؟ قال هو حر ويرجع على الغلام بأجره خدمة مبلغ أربع سنين . وروى عنه قال : هو حر ساعة مات مولاه لأن هذه معصية . وظاهر كلام المصنف التفريق بين الذمي ومعابد الكفار ، حيث يقول : وان وقف على ذمي جاز الخ . قلت هذا مبنى على أصل أن الوقف لا يصح على من لا يملك ، كالوقف على القن وأم الولد والجن والملائكة ولأنه يجوز التصدق عليه أما الوقف على المرتد والحربي في صفوف الأعداء فوجهان . فمن جعله كالذمي أجاز الوقف عليه . ومن قال أن القصد من الوقف نفع الموقوف عليه ونحن مأمورون بقتل المرتد والحربي ، وهذا أقصى درجات الحرمان وهو فقد الحياة ، فكيف يجوز ايصال المنفعة إليه ؟ ولان أموال المرتدين والمحاربين مباحة في الأصل ، ويجوز أخذها بالقهر والغلبة ، فما يتجدد لهم أولى على أن الوقف لا يجوز أن يكون مباح الاخذ لأنه تحبيس الأصل وفارق أهل الذمة فإنه يصح الوقف عليهم لأنهم يملكون ملكا محترما ، ولان صفيه أم المؤمنين وقفت على أخ لها يهودي ، ولان من جاز أن يقف الذمي عليه جاز أن يقف عليه المسلم كالمسلم ، ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين صح أيضا لان الوقف عليهم لا على الموضع ( فرع ) لا يجوز أن يخص نفسه بالوقف وكذلك إذا جعله عاما وجعل لنفسه شيئا منه فإنه لا يجوز وقيل يجوز ، واستدل القائلون بجوازه ، ومنهم أبو عبد الله