النووي
289
المجموع
الاختيار دون السبب كملقى نفسه مختارا من شاهق يسقط الضمان عن باني الشاهق أو في بئر يسقط عن حافرها . وطيران الطائر باختياره لأنه غير ملجأ ، وقد كان يجوز بعد فتح القفص أن لا يطير ، فوجب إذا طار بعد الفتح أن لا يتعلق بالفتح ضمان ، ولان طيران الطائر بفتح القفص كهرب العبد المحبوس إذا فتح حبسه فكما أن فاتح الحبس لا يضمنه إن هرب كذلك فاتح القفص لا يضمن الطائر إذا طار ، ولان مثابته من فتح القفص عن طائر حتى طار بمثابة من هتك حرمة مال حتى سرق ، ثم كان كما لو فتح باب دار فيها مال فسرق لم يضمنه . وكذلك القفص إذا فتح بابه حتى طار طائر لم يضمن ، ولان فتح القفص يكون تعديا على القفص دون الطائر ، بدليل أنه لو مات الطائر في القفص بعد فتحه لم يضمنه ، وما انتفى عنه التعدي لم يضمن به . * * * فأما الجواب عن استدلالهم بأن أسباب التلف مضمونة لحافر البئر يضمن ما سقط فيها ، فهو أنهما سواء ، وذاك أن من طبع الحيوان توقى المتالف . فإذا سقط في البئر دل على أن سقوطه بغير اختياره فضمن الحافر ، ولو علمنا أنه سقط باختياره بإلقاء نفسه عمدا سقط الضمان عن الحافر ، والطير مطبوع على الطيران عند القدرة : إلا في أوقات الاستراحة ، فإذا طار دل على أن طيرانه باختياره فسقط الضمان عن فاتح القفص ولو علمنا أنه طار بغير اختياره بالالجاء والتنفير وجب الضمان على فاتح القفص فكانا سواء . فأما استدلالهم باستواء الأسباب فيما تعجل بها التلف أو تأجل فلأصحابنا في ضمانه إذا طار عقيب الفتح وجهان ( أحدهما ) لا يضمنه ، فعلى هذا سقط السؤال فيه ( الثاني ) يضمنه . فعلى هذا يكون الفرق بين أن يطير في الحال فيضمن ، وبين أن يطير بعد زمان فلا يضمن هو أن الطير مطبوع على النفور من الانسان