النووي

42

المجموع

فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة ، لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس - أغلى الثمن على المشترى فنهاه عن التوكل له ، مع أن جنس الوكالة مباح لما في ذلك من زيادة السعر على الناس ، ونهى عن تلقى الجلب وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار ، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا ، فإذا لم يكن قد عرف السعر ، وتلقاه المتلقى قبل إتيانه إلى السوق اشتراه المشترى بدون ثمن المثل فغبنه ، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لهذا البائع الخيار . ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم ، إحداهما : أن الخيار يثبت له مطلقا ، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي . والثانية : أنه إنما يثبت عند الغبن وهي ظاهر مذهب الحنابلة . وقالت طائفة : بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقى فاشترى منه ، ثم باعه ، وفى الجملة . قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر ، وهو ثمن المثل ، ويعلم المشترى بالسلعة . وصاحب القياس الفاسد يقول : للمشترى أن يشترى حيث شاء ، وقد اشترى من البائع كما يقول ، فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر ، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة ، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل ، فيكون المشترى غارا له . وألحق أحمد ومالك بذلك كل مسترسل ، فإنه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر فتبين أنه يجب على الانسان ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف ، وهو ثمن المثل ، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه ، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو غير مماكسين ، والبيع يعتبر فيه الرضا ، والرضا يتبع العلم ، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى ، وقد لا يرضى ، فإذا علم أنه غبن ورضى فلا بأس بذلك . وفى السنن " أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره ، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يقبل