النووي

104

المجموع

الثانية والأربعون : قوله تعالى ( إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ) في هذه الآية رفع الجناح عن عدم الكتابة في كل مبايعة بنقد ، يدا بيد ، وقد مر في البيوع المرسلة . الثالثة والأربعون : قوله تعالى " تديرونها بينكم " يقتضى التقايض والبينونة بالمقبوض ، ولا يتسنى ذلك في الرباع والأرض وكثير من الأشياء الثمينة لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه ، لذلك حسن الكتابة فيها ، ولحقت في ذلك مبايعة الدين والسلم . قال الشافعي : البيوع ثلاثة ، بيع بكتاب وشهود وبيع برهان وبيع بأمانة وقرأ هذه الآية ، وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد ، وإذا باع بنسيئة كتب الرابعة والأربعون ، قوله تعالى " وأشهدوا " سبق بيان ذلك في أول الباب . وقد روى عن ابن عباس أنه قال لما قيل له إن آية الدين منسوخة . قال لا والله ، إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ . قال الطبري : والاشهاد إنما جعل للطمأنينة ، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا ، منها الكتاب ومنها الرهن ومنها الاشهاد ، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب ، فيعلم من ذلك مثله في الاشهاد ، وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا ، وبرا وبحرا ، وسهلا وجبلا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير ، ولو وجب الاشهاد ما تركوا النكير . اه‍ . وقد مر تفصيل ذلك في البيوع وما ورد فيه من الأحاديث الخامسة والأربعون " ولا يضار كاتب ولا شهيد " قد تشمل هذه الآية درء كل ما يؤدى إلى مضارة الشاهد . كأن يوقف أمام الحكام زمنا يلحقه من جرائه مضارة ، أو يخطب بلهجة تنم عن ازدرائه وخدش حيائه إن كان من أهل الفضل والعلم ، فإذا دعى الشاهد إلى الشهادة واعتذر بمشاغله ، فلا يهان أو يعنف ، أو يكره على الشهادة السادسة والأربعون " وان تفعلوا فإنه فسوق بكم " يعنى مضارة الشاهد ، قال سفيان الثوري : إن أذية الكاتب والشاهد إذا كانا مشغولين معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله . وقوله " بكم " أي فسوق حال بكم