ابن تيمية

70

مجموعة الفتاوى

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تُولَدُ كَثِيرٌ مِنْ فِرَقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ . فَطَائِفَةٌ سَبَّتْ السَّلَفَ وَلَعَنَتْهُمْ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذُنُوباً ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ ؛ بَلْ قَدْ يُفَسِّقُونَهُمْ ؛ أَوْ يُكَفِّرُونَهُمْ ، كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عفان ، وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا ، وَلَعَنُوهُمْ ، وَسَبُّوهُمْ ، وَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ . وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِن الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى فِرْقَةٍ مِن المُسْلِمِينَ ، فَتُقَاتِلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ لِأَجْلِ الْحَقِّ } وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمَارِقَةُ الَّذِينَ مَرَقُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَفَّرُوا كُلَّ مَنْ تَوَلَّاهُ . وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ : فِرْقَةٍ مَعَ عَلِيٍّ ، وَفِرْقَةٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ . فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ عَلِيّاً وَأَصْحَابَهُ ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بَهْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَيْضاً فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ { قَالَ عَنْ الْحَسَنِ ابْنِهِ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بَهْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِن المُسْلِمِينَ } فَأَصْلَحَ اللَّهُ بَهْ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَشِيعَةِ مُعَاوِيَةَ . وَأَثْنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَسَنِ بِهَذَا الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدَيْهِ وَسَمَّاهُ سَيِّداً بِذَلِك ؛ لِأَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَيَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . وَلَوْ كَانَ الِاقْتِتَالُ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِك ؛ بَلْ يَكُونُ الْحَسَنُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ ، أَوْ الْأَحَبَّ إلَى