ابن تيمية
52
مجموعة الفتاوى
فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، إنْ كَانَ الْمُنْهَزِمُ قَدْ انْهَزَمَ بِنِيَّةِ التَّوْبَةِ عَنْ الْمُقَاتَلَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالنَّارِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ . وَأَمَّا إنْ كَانَ انْهِزَامُهُ عَجْزاً فَقَطْ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى خَصْمِهِ لَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ } فَإِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ فَالْمُنْهَزِم بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ وَالْمَقْتُولُ أَصَابَهُ مِن الضَّرَرِ مَا لَمْ يُصِبْ الْمَهْزُومَ ؛ ثُمَّ إذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ مُكَفِّرَةً لِإِثْمِ الْمُقَاتَلَةِ فَلَأَنْ لَا تَكُونَ مُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ مُكَفِّرَةً أَوْلَى ؛ بَلْ إثْمُ الْمُنْهَزِمِ الْمُصِرِّ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ الْمَقْتُولِ فِي الْمَعْرَكَةِ وَاسْتِحْقَاقُهُ لِلنَّارِ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ السَّيِّئُ بِمَوْتِهِ ؛ وَهَذَا مُصِرٌّ عَلَى الْخُبْثِ الْعَظِيمِ ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِن الفُقَهَاءِ : إنَّ مُنْهَزِمَ الْبُغَاةِ يُقْتَلُ إذَا كَانَ لَهُ طَائِفَةٌ يَأْوِي إلَيْهَا فَيُخَافُ عَوْدُهُ ؛ بِخِلَافِ الْمُثْخَنِ بِالْجُرْحِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ . وَسَبَبُهُ أَنَّ هَذَا انْكَفَّ شَرُّهُ وَالْمُنْهَزِمُ لَمْ يَنْكَفْ شَرُّهُ . وَأَيْضاً فَالْمَقْتُولُ قَدْ يُقَالُ : إنَّهُ بِمُصِيبَةِ الْقَتْلِ قَدْ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ دُونَ مُصِيبَةِ الْقَتْلِ . فَظَهَرَ أَنَّ الْمَهْزُومَ أَسْوَأُ حَالاً مِن المَقْتُولِ إذَا كَانَ مُصِرّاً عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ . وَمَنْ تَابَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .