ابن تيمية

44

مجموعة الفتاوى

فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } وقَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } - إلَى قَوْله تَعَالَى - { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ } وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } الْآيَةُ . وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ الغالطين - كَابْنِ عَرَبِيٍّ - أَنَّ " الْخَلِيفَةَ " هُوَ الْخَلِيفَةُ عَنْ اللَّهِ مِثْلَ نَائِبِ اللَّهِ ؛ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُسْتَخْلَفاً وَرُبَّمَا فَسَّرُوا " تَعْلِيمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " الَّتِي جَمَعَ مَعَانِيهَا الْإِنْسَانُ . وَيُفَسِّرُونَ " خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضاً وَقَدْ أَخَذُوا مِن الفَلَاسِفَةِ قَوْلَهُمْ : الْإِنْسَانُ هُوَ الْعَالِمُ الصَّغِيرُ . وَهَذَا قَرِيبٌ . وَضَمُّوا إلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالِمُ الْكَبِيرُ ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ الكفري فِي وِحْدَةِ الْوُجُودِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ . فَالْإِنْسَانُ مِنْ بَيْنِ الْمَظَاهِرِ هُوَ الْخَلِيفَةُ الْجَامِعُ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ الْمُخْرِجَةِ لَهُمْ إلَى الْفِرْعَوْنِيَّةِ والقرمطية وَالْبَاطِنِيَّةِ وَرُبَّمَا جَعَلُوا " الرِّسَالَةَ " مَرْتَبَةً مِن المَرَاتِبِ وَأَنَّهُمْ أَعْظَمُ مِنْهَا فَيُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوحدانية وَالْأُلُوهِيَّةِ ؛ وَبِالرِّسَالَةِ وَيَصِيرُونَ فِي الْفِرْعَوْنِيَّةِ . هَذَا إيمَانُهُمْ . أَوْ يَخْرُجُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ أَنْ يَصِيرُوا ( سُدًى لَا أَمْرَ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهْيَ ؛ وَلَا إيجَابَ وَلَا تَحْرِيمَ .